فقالت إبانا: وإني لجد سعيدة أن تلقى إلي المصادفات السعيدة رجلين كريمين من رجال العهد القديم، فنتذاكر معا أيامنا الخوالي، ونشعر بحاضرنا شعورا واحدا، أما أحمس فهو شاب عظيم الحماسة جدير باسمه، وقد دعاه أبوه تيمنا باسم أحمس حفيد مليكنا سيكننرع وابن ملكنا كاموس - وقد ولدا في يوم واحد - طيب الرب مساءه حيثما كان!
وبسط لاتو كفيه مؤمنا على قولها، وقال بصدق وإخلاص: ليحفظ الرب صديقنا أحمس، وليحفظ سميه العظيم حيثما كان!
12
وتوطدت المودة بين التاجرين وأسرة إبانا، فعاشوا جميعا أسرة واحدة لا يفترقون إلا في الثلث الأول من الليل، وعلم الرجلان أن حي الصيادين مكتظ بالسادة المختفين من تجار طيبة وأصحاب ضياعها ومزارعها السابقين، فسر لذلك الرجلان، وأرادا أن يتعرفا إلى بعض البارزين منهم، وأفضيا برغبتهما إلى أحمس بعد أن استوثقا من إخلاص القوم، ورحب الفتى برغبتهما، واختار أربعة من أقرب المقربين إلى والدته هم: سنب وهام وكوم وديب، وأسر إليهم بحقيقة التاجرين، ودعاهم يوما إلى داره حيث وافاهم لاتو وإسفينيس، وكان الرجال يرتدون لباس الفقراء، وزرة وسترة من الكتان بالية، فرحبوا جميعا بالتاجرين وتبادلوا التحيات بحرارة دلت على الصدق والمودة، قال أحمس: إن من ترون مثلكما من سادة مصر الأقدمين، وجميعهم يعيشون عيشة الصيادين المنبوذة البائسة، على حين يستأثر بأرضهم الرعاة الملعونون!
وسأل هام التاجرين: هل أنتما من طيبة أيها السيدان؟
فقال لاتو: كلا يا سيدي، ولكنا كنا يوما من ملاك أمبوس!
فقال سنب: وهل هاجر إلى النوبة كثيرون مثلكما؟
فقال لاتو: نعم يا سيدي ، وفي نباتا يوجد مئات من المصريين، ومن أمبوس وسيين وهابو ومن طيبة نفسها.
فتبادل الرجال النظرات، ولم يكن يرتاب منهم أحد في التاجرين بعدما قص عليهم أحمس ما صنع إسفينيس لأمه في المحكمة، فتساءل هام: وكيف تعيشون في نباتا أيها السيد لاتو؟ - عيشة الضنك كالنوبيين أنفسهم، ففي النوبة تجود الأرض بالذهب وتشح بالغلال. - ولكنكم سعداء ما دمتم لا تمتد إليكم أيدي الرعاة. - دون شك، ولذلك لا نفتأ نذكر مصر وأهلها الأسرى المستعبدين. - ألا يوجد لنا في الجنوب قوة حربية؟ - بلى، ولكنها قوة صغيرة يستعين بها رءوم حاكم الجنوب المصري على حفظ الأمن في البلاد. - وما عسى أن يكون شعور النوبيين نحونا بعد الغزو؟ - إن النوبيين يحبوننا ويرضون بحكمنا طائعين، ولذلك لا يلقى رءوم أية مشقة في حكم البلاد بقوة صغيرة لا يعتد بها، ولو شقوا عصا الطاعة ما وجدوا قوة تؤدبهم!
فلاحت الأحلام في أعين الرجال، وكان أحمس قص عليهم كيف تمكن التاجران من اجتياز الحدود وزيارة الحاكم، وكيف أن إسفينيس سيقدم إلى أبوفيس هدية يوم الاحتفال بعيد النصر، فتساءل هام بامتعاض: وما تبعي من وراء تقديم هديتك إلى أبوفيس؟
نامعلوم صفحہ