خلاصة اليومية والشذور
خلاصة اليومية والشذور
اصناف
إن هذا الخلط داء مزمن بعلم الطب - وأقصد منه على الخصوص طب العقاقير - يجب أن يعنى الأطباء بمعالجته قبل أن يجعلوا أجسام المرضى جثثا يجربون بها أصناف الأدوية والعلاجات.
عدم الاكتراث
عدم الاكتراث لازمة من لوازم النوابغ العبقريين؛ فالرجل العبقري عالمه في نفسه، له بدوات وأطوار غير التي يألفها الناس ولكنه لا يتخلى عنها، وللناس شعائر وتقاليد يقدسونها ولكنه لا يلتفت إليها، مثله في ذلك مثل السائح الأوروبي أو الأفريقي يهبط الصين؛ فإنه ينظر إلى أزياء القوم وأحوالهم بعين الاستغراب، وإن كانت مألوفة عند كل فرد غيره في الصين، ويظل متمسكا بعاداته وطباعه وإن هزأ منها كل رجل وامرأة من أولئك الأربعمائة مليون الذين يدور عليهم سور تلك البلاد؛ كأنما العبقرية تجعل الرجل من جنس غير الذي منه بقية البشر.
على أن عدم الاكتراث قد ينقلب إلى هنة من أخس الهنات، يتخلق بها من لا خلاق لهم من الأراذل والسفلة، أولئك الذين ينزلون أنفسهم في منزلة لا يمكن أن ينزلهم الناس في أحط منها، أو يخدعون الناس بظواهرهم وباطنهم على خلاف ما يظهرون.
مناقشة مع الأستاذ وجدي
الأستاذ فريد أفندي وجدي أكبر داع من دعاة الدين في مصر يخاطب بلسان العقل في الدينيات، وبهذا الاعتقاد ألقي إليه هذه المسائل التي رأيت مناقشته فيها لازمة بعد أن تصفحت من دائرته الجزء السابع الذي خصصه للبحث في إثبات وجود الله؛ وها هي ألقيها إليه مسألة بعد أخرى:
أولا:
انتظام العالم لا يصلح أن يتخذ دليلا على حدوثه كما لا يصلح أن يتخذ اختلاله دليلا على قدمه، والإنسان باعتباره زبدة الكائنات سواء في قول الخلقيين أو النشوئيين لا يعقل أن يظهر في العالم إلا بعد أن يترتب كل ما دونه في مراتب الخلق، وسواء حدث هذا النظام بعد اختلال أو كان على هذا الوضع من أزل الآزال، فما كان ليأخذ مقره من العالم إلا وهو على درجة من النظام كافلة على الأقل بنشوئه فيه، فمن أعلمه أن العالم الذي يضمه الآن لم يكن في القدم «كاؤسا» كما تخيله شعراء اليونان، وليت شعري إذا كان قد وجد في ذلك الكاؤس سائل مثلي ومسئول مثل الأستاذ وجدي وجلسا يتناقشان في وسط تلك الهيولى كما أناقشه الآن عن آية الخلق في العالمين؛ فبماذا عساه كان مجيبا؟
ثانيا:
لا يمكننا أن نحكم على الشيء أنه متقن إلا إذا وقفنا على الغاية منه؛ فنحن نعرف الساعة أنها متقنة إذا علمنا أولا أنها آلة تستعمل في قياس الوقت، ثم علمنا ثانيا أنها تؤدي هذا الغرض بالضبط.
نامعلوم صفحہ