کاشف امین
الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين
وأما على جهة التفصيل فنشير إلى طرف يسير من الآيات الكريمة لأن الإتيان على جميعها يفتقر إلى جملة مجلدات،فمن ذلك قول الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة:103]، وجه الاستدلال بها أنه تعالى نفى عن نفسه أنه جعل تبحير البحيرة، وتسييب السائبة وحكم أن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في نسبتها إليهم وأنه شرعها لهم، وسواء قالوا مع ذلك أنه خلق ذلك التشريع فيهم أو لا يقولون بذلك بأن يقولوا بأن الله تعالى شرعها لهم ففعلوه لأنه قد نفى الجعل الذي هو أعم من التشريع والخلق، والمجبرة يقولون: بل خلق وأراد ذلك ولم يكرهه منهم. فبطلت الآية وسقط معناها على زعمهم من كل الوجوه من وجه ما سيقت له وهو تقبيح فعلهم التبحير والتسييب ونحوهما، لأنه تعالى هو الفاعل بزعمهم فلا يصح أن يقال ما جعل الله الخ، ومن وجه نفي كون ذلك من الشرع لأنه إن كان ذلك التشريع الذي اعتقده الكافرون وزعموه شرعا هو بخلق الله وإرادته كان شرعا صحيحا لا محالة، ومن وجه إبطال ما حكم به تعالى ونص عليه أن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في نسبة ذلك التبحير والتسييب إليه تعالى، لأنه إذا كان هو الذي فعل التسييب ونحوه بزعم المجبرة وأراد فعله منهم وفعل تشريعهم إياه وأراده منهم كان قول المشركين: إن الله شرعها لهم أو شاءها منهم أو خلقها فيهم صدقا لا محالة، فينقلب الافتراء في قول الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة { إلى آخر الآية، ويصير عز وجل هو المفتري من جهة إخباره بالشيء على خلاف ما هو عليه، ومن جهة خلق الافتراء فيهم فهو المفتري في الحقيقة لأنه فاعل هذا الافتراء وخالقه ومريده وغير كاره له، فبطلت ثمرة الآية من كل الوجوه وعادت هزوا ولعبا وسخرية وقولا باطلا لا مصداق لشيء مما سيقت له وصرحت بمعناه، ثم سجل عليهم بأن أكثرهم لا يعقلون مع كونهم عاقلين، لكن نزلهم بمنزلة غير العقلاء لما حصل منهم ما لم يحصل من العقلاء تأكيدا وزيادة في تقبيح فعلهم وتحذيرا لأهل العقول عن سلوك سبيلهم في اعتقاد أن الله تعالى شرع ذلك، فكيف باعتقاد أنه تعالى فعله وأراده وكره منهم ضده وتركه؟!
ومنها: قوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد:7 ]، ثم قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم} [الحديد: 8 ]، { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } [الحديد:10]، فلو كان عز وجل خلق فيهم الأفعال لما كان لهذا الكلام معنى بل هو جدال بباطل، إذ المعلوم أنه لا يصح أن يقال للعبد الزنجي إبيض وما لك لا تبيض وما لك لا تكون حسن المنظر، بل يكون ذلك إن أريد فيه الأمر بذلك والإنكار على عدم فعل المأمور به لا بد تكليفا لما لا يطاق وجدالا بالباطل، وإن لم يرد فيه الأمر بذلك والإنكار كان هزوا ولعبا، تعالى الله عما يقوله المبطلون علوا كبيرا، ولو كان الإيمان وعدم الإنفاق من فعله تعالى لكان للكفار أن يجيبوا عن هذا أن يقولوا: وكيف نؤمن وكيف ننفق وقد خلقت فينا الكفر والإمساك من الإنفاق، وما معنى هذا الإنكار والاستنكار علينا والجميع هو بخلقك وإرادتك وقضائك وقدرك فينا ولا فعل لنا أصلا في ذلك ولا حيلة لنا في شيء مما هنالك؟!
ومنها: قوله تعالى: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} [المؤمنون:63]، وعلى قول المجبرة ليس لهم أعمال بل العمل هو لله فتكذب الآية من جهتين بل من ثلاث: من جهة تقبيح أعمالهم لأنها من الله تعالى، ومن جهة قوله: {ولهم أعمال{ إذ ليس لهم أعمال، ومن جهة قوله: {هم لها عاملون{بأنه هو الذي لها عامل!
صفحہ 401