جهود القبانی المسرحیہ فی مصر
جهود القباني المسرحية في مصر
اصناف
والثابت حتى الآن أن القباني لا يميل إلى تلحين - أو غناء - إلا أشعاره المؤلفة، وألحانه التي أتقن وضعها بنفسه، لا المفروضة عليه من قبل آخرين كما أوضحنا من قبل.
قوت القلوب
أما مسرحية «قوت القلوب» فكانت على عكس «مي» تماما؛ حيث عرضها القباني أكثر من عشرين مرة طوال تاريخه؛ لأنه كاتبها ومؤلف معظم أشعارها وموشحاتها وأغانيها وواضع جميع ألحانها، وقد عرضها باسم «قوت القلوب» تارة، وباسم «قوت القلوب مع غانم بن أيوب» تارة أخرى، وتم طبعها باسم «هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب».
وأحداث المسرحية تدور حول غيرة زبيدة زوجة هارون الرشيد من الجارية «قوت القلوب»، فدبرت حيلة للتخلص منها في أثناء رحلة صيد لهارون الرشيد؛ حيث قامت بتخدير الجارية ووضعها في صندوق، وطلبت من عبيدها وضعها في قبر بعيد بعد أن بنت قبرا في القصر مدعية بأنه قبر الجارية قوت القلوب. وعلى مقربة من القبر كان يقف التاجر غانم بن أيوب الذي ارتاب مما في الصندوق، وبعد رحيل العبيد فتحه فوجد فيه الفتاة الجميلة مغشيا عليها. وبعد أن عادت إلى رشدها طلبت منه الذهاب إلى بيته وقصت عليه قصتها. وبعد أن قضت عدة أيام مع غانم وقعت في حبه كما وقع في حبها. وعلى الجانب الآخر نجد هارون الرشيد يعود من رحلته ويفاجأ بخبر موت قوت القلوب، فيبكيها بكاء حارا، فتشفق عليه إحدى الجواري وتخبره بالحقيقة، وأن قوتا مع غانم، فيصدر أمره بالقبض على قوت وقتل غانم بن أيوب. وبعد عدة أحداث تنكشف الأمور جلية أمام هارون الرشيد الذي يتحقق من براءة قوت وصدق حبها لغانم، فيوافق على زواجهما بعد أن تعجبه «فتنة»؛ شقيقة غانم ، فيطلبها زوجة له، وتنتهي المسرحية نهاية سعيدة.
وهذه المسرحية كتبها القباني معتمدا في صياغتها - وموضوعها - على حكاية «التاجر أيوب وابنه غانم وبنته فتنة» من حكايات «ألف ليلة وليلة»، وهي تستغرق من الليلة الثانية والخمسين إلى الليلة الستين بعد أن خلصها مما يشينها من العبارات غير اللائقة، والإيحاءات الجنسية، والكلمات الفاضحة ... إلخ ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية، وما يتعارض مع العادات العربية وتقاليدها، وما يناقض مفردات رسالته المسرحية، ويعيق تحقيق هدفه وفق مبدأ حركة الإحياء بإظهار التراث في صورة مشرقة.
ومما يحسب للقباني في كتابته لهذه المسرحية - وفق أدوات تطبيق منهج رسالته - أنه لم يقتبس بيتا واحدا من أبيات حكاية الليالي، واستعاض عن ذلك بكثير من أشعاره المؤلفة، وبقليل من أشعار القدماء والمعاصرين المقتبسة، أمثال: قيس بن ذريح، وطرفة بن العبد، وليلى الأخيلية، وابن الرومي، ومحمد بن داود الظاهري، وأبي العتاهية، والمفتي فتح الله، والأفوه الأودي، وعلي بن الجهم، وحسام الدين الحاجري، وكمال الدين بن النبيه، وعائشة التيمورية.
ومن الثابت لدينا أن القباني - في تطبيق منهج رسالته - كان يتأنى في صياغة أعماله المسرحية، ويتأمل في اقتباساته الشعرية، بحيث يكون الاقتباس مناسبا للموقف الدرامي، دالا عليه دلالة قوية، مؤثرا في جمهوره تأثيرا وجدانيا، تحقيقا لهدف رسالته. فإن كان الاقتباس لا يفي بذلك قام القباني بتطويعه بصورة فنية شعرية حتى يجعل العمل دالا وفق رؤيته الدرامية. ومثال على ذلك البيت الذي اقتبسه من قيس بن ذريح:
وتنفست إذ ذكرتك حتى
زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
نجد القباني يستغله مسرحيا في مناجاة هارون الرشيد لنفسه - باكيا على قبر قوت القلوب - قائلا:
نامعلوم صفحہ