نسل کشی: زمین، نسل، اور تاریخ
جينوسايد: الأرض والعرق والتاريخ
اصناف
في اليوم التالي دخل القاعة أحد المدربين كان رجلا في مقتبل الخمسين من عمره، لكن حركته وجسمه المتناسق يبدو عليه عشرينيا رغم الشيب الذي قضى على آخر شعرة في رأسه! رجل وسيم وبشوش الوجه، صافحهم واحدا تلو الآخر وهو يقول: أنا المدرب «كيفورك» أهلا بكم في يريفان.
ثم تعرف على أسمائهم: غريغور، أرتين، بانوس.
بعدما رحب بوجودهم في المركز وقبول انضمامهم للثوار طرح سؤالا مباشرة: لماذا أنتم هنا؟ أو بشكل أكثر وضوحا: ما الذي دفعكم للانضمام إلى الثوار وترك قريتكم وأهلكم؟
أخبره أرتين بالدافع الأساسي الذي جعلهم يفكرون بالانضمام إليهم. - جميل، جميل، وأنتما ماذا تقولان؟ - لا نزيد على قول أرتين؛ فهو صاحب الفكرة. - حسنا، ماذا تعرفون عن الحزب؟ - الذي نعرفه عن الحزب أنه يدافع عن الأرمن ويحافظ على قراهم ويوفر لهم الأسلحة للدفاع عن أنفسهم، والغاية الأسمى هي بلوغ الاستقلال والخلاص من الحكم العثماني.
بعدها أخبرهم السيد كيفورك أنه من مدينة يريفان نفسها لديه ابنة في الخامسة عشرة من العمر وصبي في العاشرة وهما يكملان تعليمهما في المدارس، كان يأمل أن يكبر ابنه وينضم إلى الحزب لأجل أرمينيا، كان رجلا وطنيا لأبعد الحدود تحدث لهم عن مشاركته في الحرب الروسية العثمانية سنة 1876، وكيف استبسل في المعارك وقتل العديد من الجنود العثمانيين، وكيف وصلوا إلى مشارف الآستانة، فلم يكن أمام العثمانيين إلا اللجوء إلى الهدنة ووقف إطلاق النار، وبذلك تم عقد معاهدة سان ستيفانو (بلدة قرب الآستانة)، التي نصت على مجموعة من البنود المهينة للعثمانيين من ضمنها تعهد الباب العالي بحماية «الأرمن» والمسيحيين من الأكراد والشركس.
كانت صراعات دولية تجري حينها؛ فقد تدخلت الدول العظمى في ذلك مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا خوفا على مصالحهم في المنطقة ولم يقفوا بهذا الحد، بل تم إبدال معاهدة «سان ستيفانو» في السنة نفسها إلى معاهدة «برلين» التي أخذت وعودا من الباب العالي للحكومة العثمانية بإدخال التحسينات والإصلاحات للولايات التي يقطنها الأرمن وضمان أمنهم من العمليات الانتقامية جراء مشاركة بعض الأرمن مع الروس في الحرب، لكن كلها مجرد كلام على ورق لم ينفذوا شيئا منها في الواقع والحقيقة، أخذ نفسا عميقا ثم قال: مع ذلك فقد كانت تلك تجربة أولى لنا في فهم الواقع السياسي للمنطقة، والآن نحن نعمل في تحقيق الاستقلال بشكل أكثر دقة وأكثر فهما للخطوات التي نسير عليها، حينها شاركنا مع الروس وكنا لا نملك رؤية لمستقبلنا، كنا نتلقى الأوامر ولا نستطيع العصيان أو حتى المناقشة، القادم أفضل لشعبنا، هذا إيماني بالحزب وبالذي نقوم به.
ثم بدأ يسرد بعض القضايا التاريخية القديمة والحديثة، حتى وصل إلى التحدث عن نظام الملل الذي اتبعته الدولة العثمانية عندما قام السلطان محمد بن مراد الثاني، الذي يلقبه المسلمون ب «محمد الفاتح»؛ لأنه احتل القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، بتأسيس بطريركية أرمنية فيها فأصبح البطريرك الأرمني مسئولا عن الموظفين والإدارة الروحية والتعليم العام والمؤسسات الدينية والخيرية لملته (أي ملة الأرمن)، وانتقل العديد من الأرمن للعيش في الآستانة تاركين مدنهم وقراهم، وتكونت هناك شريحة من الأثرياء الذين تعاونوا مع الحكومة ووصلوا في مؤسساتها إلى مراتب متقدمة، فتقلدوا أعلى الوظائف بسبب استعدادهم لخدمة الدولة بإخلاص تام وافتقارهم إلى طموحات الاستقلال، حيث وصل عدد الأرمن في الحكومة العثمانية إلى «22» وزيرا عملوا في الخارجية والمالية والبريد والتلغراف والخزانة، وعملوا أيضا قناصل في عدة دويلات أوروبية.
بان على وجوههم الاستغراب من وصول هؤلاء الأرمن إلى هذه المراكز المهمة في الدولة، فرفع أرتين يده: سيد كيفورك، كيف وثق العثمانيون بهؤلاء الأرمن وأعطوهم هذه المناصب؟! - كانت السلطات العثمانية تتصرف بذكاء حيال هذه القضية؛ فهم كانوا يظهرون للدول الأخرى أن ليس لديهم تفرقة بين الترك وبقية القوميات والملل الأخرى، ومن جهة أخرى كان تركيز الدولة يصب على هذه الفئة فقط دون الشعب الأرمني فأغدقوا عليهم النعم برعاية السلاطين حتى غدوا من أرقى العناصر في الدولة، وهكذا أظهروا هؤلاء أمام الدول الأخرى فتم خداعهم أن جميع الملل متنعمون في الدولة، وأنا أعلم الضيق الذي كنتم تعيشون فيه، وما زلتم، وعدم اهتمام الحكومة لأمركم.
هكذا يا شباب أكون قد أعطيتكم نبذة سريعة عن الأحداث التي حصلت منذ عدة قرون للأرمن وأراضيهم، ولعلكم انتبهتم أننا في كل مرة تحت حكم دولة ما، وبقيت أرضنا مطامع القوى العظمى في المنطقة وساحة معاركهم، وأصبح شعبنا وقود تلك المعارك بسبب انعدام وجود دولة أرمنية قادرة على الدفاع عن أرضها وشعبها، ولهذا نحن هنا وإن بقينا كالحمقى نخدم العثمانيين أو الروس أو الفرس ولا نفكر بمصالحنا ومستقبل أمتنا ، سيستمر حالنا هكذا إلى الأبد .. نعم نحن نتعاون مع الروس لأنهم أقرب إلينا من أية دولة أخرى وقدمت لنا تسهيلات كثيرة، لكنها بالمقابل لا تفعل ذلك لأجلنا فهي أيضا لديها مطامعها في زعزعة الداخل العثماني بنا وإضعافهم بغية الوصول إلى المياه الدافئة ومضيق البسفور .. لا أريد أن أتعمق في سياسات الدول وأطماعها، لكن أريد أن أبين لكم أننا لسنا أداة بيد أحد، وأننا فهمنا الجو العام للمنطقة ونعمل لأجل مصالحنا المستقبلية. - لكن يا سيد كيفورك عندما كنا في وان حصلت حادثة اغتيال فاشلة ضد والي المدينة عندما مر موكبه من السوق، وبعد الحادثة قامت الحكومة بتطويق المكان وتفتيش الدكاكين واعتقال بعض أصحاب المحلات فقط، لكن بعد عدة أيام ألقى أعضاء الحزب على شوارع وأزقة المدينة منشورات يتبنى فيها العملية ويتوعد بالمزيد، وحالما علمت الفرسان الحميدية تبنيهم للعملية وكأنهم كانوا يبحثون عن سبب ليقوموا بشنق بعض المساجين والهجوم على عدة قرى أرمنية وقتل العديد من أبناء شعبنا.
سؤالي هو: كيف يقوم الحزب بمثل هذه الحركة وهم يعلمون أن وراءها ستقوم الفرسان الحميدية بأعمال انتقامية؟ كما حدث بالفعل، هل يمكن لك أن تشرح لنا المبررات لهذه الخطوة غير الموفقة، حسب نظري ونظر أصدقائي، ولا أخفي لك أننا تناقشنا كثيرا بهذا الأمر لكننا لم نتوصل إلى جواب مقنع فيه؟
نامعلوم صفحہ