جوہر انسانیت
جوهر الإنسانية: سعي لا ينتهي وحراك لا يتوقف
اصناف
وربما يرجع هذا أيضا إلى أن الفن، المتمثل في تزيين الإنسان لمكان سكنه، صفة فطرية في الإنسان مثل التوصل إلى تقنيات مفيدة. وربما يشير القراء أيضا إلى أن كثيرا من الطيور تزين أعشاشها - تعد طيور التعريشة في غينيا الجديدة مثالا مذهلا على هذا - وأن النتيجة قد تكون مبهرة مثل لوحة أو باقة من الزهور منسقة بعناية. قد تفعل الطيور هذا لأسباب التمويه، ولكنها قد تفعل هذا أيضا بغرض جذب شريك. إذن هل ثمة احتمال بأن الفن ينبع من الرغبة في جذب رفيق، بقدر ما يعتبر وسيلة لاسترضاء الآلهة؟ بينما أدى السبب الثاني إلى بناء الأهرامات في أمريكا الوسطى، والمعابد والأضرحة في آسيا، والكاتدرائيات التي ظهرت فيما بعد في أوروبا. من المتعارف عليه أن معظم الكتاب والرسامين والموسيقيين يمارسون فنهم من أجل الحصول على التقدير والاحتفاء من أقرانهم. رغم أن هذه بالتأكيد سمة بشرية بحتة - السعي لتحقيق النجاح - ربما تكمن أصولها في النهاية في الطقوس التي نمارسها، مثل الحيوانات، من أجل جذب شريك. باختصار، تنتشر أصول الفن لدى كثير من الأنواع، لكنها لم تصل إلى حد الإنجاز إلا عند البشر فقط؛ فالطاووس يولد بشكل ريشه الرائع، أما الرجال والنساء فظلوا يتأنقون، عادة في محاكاة مباشرة لريش الطاووس، لآلاف السنين. ألم تتحدث أقدم القصائد عن الحب، ألم يكن الهدف من الأصوات البدائية للناي (الذي صنع من عظام الحيوانات منذ نحو 30 ألف سنة) أو القيثارة جذب شريك؟
توجد نظرية تقول إن الفن والعلم مكملان لظهور الإنسان. وتتمثل الحجة، التي طرحها على وجه الخصوص بشدة العالم والكاتب ديفيد هوروبين،
31
فيما يلي: ثمة ارتباط بين الجينات التي تؤدي إلى الإبداع وتلك التي تعرض الإنسان للإصابة بمرض الفصام واضطرابات أخرى أقل خطورة مثل الذهان الهوسي الاكتئابي. يستشهد هوروبين بأن نيوتن وفاراداي وأينشتاين وهاندل وبيتهوفن وكانط كانوا جميعا «شخصيات شبه فصامية»؛ في المنتصف بين الشخصيات الفصامية والشخصيات الطبيعية. ويقول أيضا إن في الشعب الأيسلندي، المعروف بالتزاوج الداخلي، يزيد احتمال إنجاب العائلات التي يكون فيها عضو مصاب بالفصام ذرية متميزة في الفنون أو العلوم عن المستوى المتوسط (غير أنه يفسد هذا الرأي عن طريق إدخال العنصر السياسي فيه). ونظرا لاعترافه بأن السبب في الإصابة في الفصام لا يكون وراثيا إلا بنسبة تتراوح من 40 إلى 50٪، عرف الأسباب غير الوراثية أو البيئية بأنها تنتج عن استهلاك دهون الحيوانات. ذكرت في الفصل الرابع فرضية ليزلي إيلو بأن قدرة العقل البشري بدأت تزيد عندما تحول من النظام الغذائي النباتي بالكامل إلى نظام يحتوي على اللحم. يرى هوروبين أن احتواء لحوم الحيوانات على أحماض دهنية معينة هو الذي يقوي، مصحوبا بوراثة جينات معينة، عصبونات الإنسان، بينما يعرضه في الوقت نفسه لخطر الإصابة بالمرض العقلي. ليس هوروبين وحده الذي يؤمن بهذه الفكرة؛ فيؤيد دانيال نيتل
32
في كتاباته حاليا العلاقة بين الاضطرابات الذهانية والإبداع، ويعترف - مع هوروبين - بإسهام هنري مودسلي أحد الآباء المؤسسين للطب النفسي. في عام 1871 كتب مودسلي: «ظل بداخلي شك لوقت طويل ... في أن البشرية تدين بكثير من تفردها وأشكال معينة من العبقرية لأفراد يعانون من نزعة معينة للجنون.»
33
صحيح أن روبرت شومان توفي في مصحة نفسية في سن السادسة والأربعين ، وكان قد فكر في الانتحار بالفعل وهو في نصف هذا العمر، وألف بالفعل واحدة من أعظم المقطوعات الموسيقية على الإطلاق «الكرنفال» بالإضافة إلى أوبرتين و19 كورال و51 أوركسترا، وأكثر من 100 مقطوعة للبيانو وأكثر من 300 أغنية . لم يجد دانيال نيتل صعوبة في أن يستحضر سريعا نحو 70 شاعرا وكاتبا وموسيقيا وفنانا مشهورا، كل منهم عانى من مرض الذهان، ومع ذلك أغفل الحديث عن العلاقات الجزيئية بين الإبداع والمرض العقلي؛ لذا لا خيار أمامنا إلا العودة إلى ديفيد هوروبين. هل يمثل الفصام والأحماض الدهنية المفتاح لنزعة الإنسان للسعي الفكري؟ إذا كان الأمر كذلك، فسيكون من الجيد أن نعرف أن قردة الشمبانزي لا تعاني من مرض فصامي، ويختلف محتوى الأحماض الدهنية في عصبوناتها عن الإنسان. أرى كذلك أن حجة نيتل، بأن الجينات التي تجعلنا عرضة للإصابة بالفصام لم تندثر بفعل الانتقاء الطبيعي لأنها تدعم الإبداع، غير مقنعة؛ فمنذ متى كان المبدعون أكثر خصوبة - أفضل في العثور على شريك - من بقيتنا؟ إذا كانت ثمة علاقة، فطالما بدت لي العكس من هذا تماما.
ذكرت بإيجاز بعض الإنجازات الفنية والعلمية للحضارات السبعة الرئيسية في هذا الفصل والفصل السابق. فكان لكل حضارة فن زخرفي؛ على المباني، في شكل رسوم على الجدران وأفاريز منقوشة وتماثيل منحوتة؛ وعلى الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية مثل أواني الشرب والسكاكين اليدوية أو الخناجر التي يستخدمها ذوو الشأن؛ وعلى الملابس التي يرتديها الأغنياء. ومن هذه الثقافات ظهرت ثقافات أخرى؛ في كوريا واليابان من الثقافة الصينية، وفي جنوب شرق آسيا من مزيج من آثار الثقافة الهندية والصينية (هذا إن لم تكن اقتنعت بالفكرة المذكورة في نهاية الفصل السابق، بأن الحضارات المفقودة في جنوب شرق آسيا واليابان سبقت ظهور الثقافة الصينية والهندية بآلاف السنين). وفي حوض البحر المتوسط، أعقب التنوير الذي ظهر في اليونان وروما ذلك الذي ظهر في جزيرة كريت بسرعة كبيرة، بينما امتدت جذور الإنجازات الإسلامية إلى حضارات بلاد سومر ومصر، بالإضافة إلى إرث القيم اليونانية الرومانية، الذي اشتمل بحلول القرن السابع الميلادي على القيم المسيحية. أصبح الفن والمعارف الأوروبية
34
نامعلوم صفحہ