وليس لشجاع الحيات منزل يختاره ويؤسسه، ويؤثر المقام فيه، وإنما هو ساع دائما يأوي إلى حيث يحب أن يأوي، ويغير حيث يحب أن يغير، وهو من أجل ذلك شائع الأذى متصل الشر منتشر العدوان، وصاحبنا يشارك الشجاع في هذه الخصلة كما يشاركه في غيرها من الخصال، فهو لا يؤثر مالا بعينه، ولا يؤثر عملا بعينه، ولا يؤثر صديقا بعينه، ولا يؤثر عدوا بعينه، وإنما المال كله صالح للجمع، وتوفير الثراء، والعمل كله صالح لنيل المناصب، وارتقاء الدرجات، والناس كلهم له صديق، والناس كلهم له عدو، وهو قادر على أن يندس في كل مكان، ويحصل في كل مجلس، وينساب في كل ناد، ويقول في كل شيء، ويكتب في كل موضوع، وينفث السم حيث يتاح له أن ينفث السم، أي حيث يتاح له أن يتنفس، فالهواء كله قد سخر له يودعه سمه فينقله حيث يسعى النسيم، وحيث تجري الريح عاصفة أو رخاء.
ولشجاع الحيات المصرية شهرة ذائعة، وأحاديث شائعة، وذكر قديم، وصوت بعيد، وعهد مصر كما تعرفين بالحيات قديم، ذكرت مع فرعون في الكتب المنزلة، وظهرت مع فرعون في النقوش والآثار، ولكن عهد مصر بالشجعان الإنسية قريب فيما يظهر، وهو على قربه خصب بعيد الأثر، فقد كثرت شجعان الناس في مصر منذ اضطربت السياسة، وتلاحقت الخطوب، ومكر بعض الناس ببعض، وكاد بعض الناس لبعض، وتوشك مصر أن تعرف بشجعان الناس كما عرفت بشجعان الحيات.
قالت السيدة متضاحكة، وكانت أريبة: حسبك فقد روعتني، وأخشى أن تكون قد روعت نفسك، فاذكر أن النبي
صلى الله عليه وسلم
كان يعوذ بالله من أن يتخبطه الشيطان عند الموت، ومن أن يموت في سبيله مدبرا، ومن أن يموت لديغا.
سمير الليل
لا تكلف نفسك مشقة ولا جهدا، فلن يتاح لك حل هذا اللغز بالمشقة والجهد، ولا بالروية المتصلة والتفكير الطويل، وليس مصدر ذلك أن هذا اللغز عسير الحل، ولا أن الطريق إلى حله ملتوية متشعبة يوشك سالكها أن يجور فيها عن قصد السبيل، بل مصدر ذلك أن هذا اللغز يسير جدا أيسر مما تقدر، وأقرب إلى الحل مما تظن، وإن الطريق إلى فهمه قصيرة مستقيمة لا طول فيها ولا التواء، فأنت ترى صاحبنا أعجوبة من أعاجيب الدهر، وغريبة من غرائب الزمان. تجلس إليه فلا تكاد تسمع منه صوابا ولا تكاد تفهم عنه شيئا، وتتحدث إليه فلا يفهم عنك إلا أيسر ما تقول، ولا يكاد يرد عليك رجع الحديث حتى يأخذك شيء من العجب؛ لأنك لا تدري أتتحدث إلى عاقل أم تتحدث إلى مجنون.
وأنت تنظر إلى جسمه هذا الذي يمتد عن يمين وشمال، ومن وراء وأمام، ولا يكاد يرتفع في الجو إلا قليلا، ولا يكاد يجد من الناس وكراسيهم ما يسمعه كما يسمع غيره من الناس، فيخيل إليك أن هذا اللحم المتراكب والشحم المتراكم قد ألقى بين نفسه وبين العالم حجبا صفاقا، وأستارا كثافا ... فهي لا تكاد تحس من العالم شيئا، والعالم لا يكاد يبلغها إلا بعد عناء شديد، وأنت تنظر إلى وجهه الضخم الجهم فترى على شفتيه الغليظتين ابتسامة تدل على البلة والغفلة أكثر مما تصور الفطنة والذكاء، وترى أنفا ضئيلا قد كاد يغرق فيما يكتنفه من لحم خديه، وجعل النفس يتردد فيه محتبسا مختنقا يسمع له صوت ثقيل بغيض، وترى جبهة ضيقة بارزة قد انبسط فوقها رأس مفرطح عريض قل فيه الشعر، وأخذ فيه الصلع، وجعلت تبدو من خلاله رقع ضيقة جرداء حتى أنكره، وكره أن يكشف رأسه إلا قليلا.
وترى عينين مغمضتين كأن صاحبهما نائم مغرق في النوم، فإذا أراد أن ينظر إلى شيء أمامه، أو إلى إنسان بين يديه، رفع جفنين متكسرين، ورفعهما في شيء من الجهد، فبدت من دونهما عينان صغيرتان منطفئتان لا تصوران يقظة ولا نشاطا ولا ذكاء، وإنما تصوران نوما وخمولا وغباء شديدا، فإذا استمعت له وهو يتحدث اضطررت أن تجهد أذنيك لينقل عنه الصوت إليك؛ لأنه يتكلم في صوت ليس بالنحيل ولا بالضئيل، ولكنه مع ذلك ليس بالقوي ولا بالمرتفع، وإنما هو صوت وسط بين ذلك مطرد منكسر أشبه شيء بالماء الفاتر يريد أن يجري جريانا سواء، فتعترضه عقبات يسيرة جدا يتغلب عليها، وينشأ عن ذلك فيه تهدج وانحطام بين حين وحين، فمنظره يؤذيك والاستماع له يضنيك، والفهم عنه يشق عليك، والوصول إلى نفسه يرهقك من أمرك عسرا، والحكم الذي تكونه في نفسك حين تقبل عليه أو تنصرف عنه هو أنه غلطة من غلطات الطبيعة، وفلتة من فلتات الدهر، ووهم من أوهام الظروف . كأنما أريد به إلى أن يكون حيوانا من هذه الحيوانات الضخمة ذات الخلق المرتبك، والشكل الذي لا يروق، ثم عدل به في اللحظة الأخيرة إلى شكل الإنسان فلم يحسن تقويمه، ولم يعتدل قده، ولم يتسق شكله، ولم ينفخ فيه من الروح الإنساني العاقل إلا جزء ضئيل.
كذلك تحكم عليه حين تلقاه، وكذلك تحكم عليه حين تفارقه لولا أنك مضطر إلى أن تنكر هذا الحكم إنكارا، وترفضه رفضا، وتعترف كما اعترف بأن له حظا عظيما من الذكاء والفطنة، وبأنه يدبر أمره في حياته الخاصة والعامة تدبير المستبصرين أولى الذكاء النافذ، والذهن المتوقد، والعقل الذي لا يعبأ بالمشكلات، ولا يرتد عن معضلات الأمور، وأنت حائر كل الحيرة في هذا التناقض بين ما يظهر من شكله ومن عقله، وبين ما يصدر عنه من الأعمال والأقوال التي لا تصدر عن غفلة ولا عن غباء.
نامعلوم صفحہ