جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فإن اعتزلوكم } قال: نسختها: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }.
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى، قال: سمعت قتادة يقول في قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق }... إلى قوله: { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } ثم نسخ ذلك بعد في براءة، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين بقوله:
اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد
[التوبة: 5]. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:قال ابن زيد في قوله: { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق }... الآية، قال: نسخ هذا كله أجمع، نسخه الجهاد، ضرب لهم أجل أربعة أشهر، إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد.]
[4.91]
وهؤلاء فريق آخر من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار، يعلم ذلك منهم قومهم، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يبعدونه من دون الله ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم، يقول الله: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يعني: كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم الله به من التقية وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يعني: كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } قال ناس كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيسلمون رياء، ثم يرجوعن إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يقول: كلما أرادوا أن يخرجوا من فتنة أركسوا فيها. وذلك أن الرجل كان يوجد قد تكلم بالإسلام، فيقرب إلى العود والجحر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب. وقال آخرون: بل هم قوم من أهل الشرك كانوا طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } قال: حي كانوا بتهامة، قالوا: يا نبي الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرداوا أن يأمنوا نبي الله ويأمنوا قومهم. فأبى الله ذلك عليهم، فقال: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نعيم بن مسعود الأشجعي. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة } يقول: إلى الشرك. وأما تأويل قوله: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } فإنه كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } قال: كلما ابتلوا بها عموا فيها. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. والقول في ذلك ما قد بينت قبل، وذلك أن الفتنة في كلام العرب: الاختبار، والإركاس: الرجوع. فتأويل الكلام: كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا }. يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يعتزلوكم أيها المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، وهي كلما دعوا إلى الشرك أجابوا إليه، ويلقوا إليكم السلم، ولم يستسلموا إليكم فيعطوكم المقاد ويصالحوكم. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم } قال: الصلح. { ويكفوا أيديهم } يقول: ويكفوا أيديهم عن قتالكم، { فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم } يقول جل ثناؤه: فإن لم يفعلوا فخذوهم أين أصبتموهم من الأرض ولقيتموهم فيها فاقتلوهم، فإن دماءهم لكم حينئذ حلال. { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا } يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم على ما هم عليه من الكفر، إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم، جعلنا لكم حجة في قتلهم أينما لقيتموهم، بمقامهم على كفرهم وتركهم هجرة دار الشرك. { مبينا } يعني أنها تبين عن استحقاقهم ذلك منكم وإصابتكم الحق في قتلهم، وذلك قوله: { سلطنا مبينا }. والسلطان: هو الحجة. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قوله: { سلطنا مبينا } أما السلطان المبين: فهو الحجة.]
[4.92]
يعني جل ثناؤه بقوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ }: وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا. يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه من عهد الله الذي عهد إليه. وأما قوله: { إلا خطأ } فإنه يقول: إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس له مما جعل له ربه فأباحه له. وهذا من الاستنثاء الذي تسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، كما قال جرير بن عطية:
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ
نامعلوم صفحہ