جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وانظرنا } قال: أفهمنا. قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة من توجيههما معنى: { وانظرنا } إلى: اسمع منا، وتوجيه مجاهد ذلك إلى: أفهمنا، ما لا نعرف في كلام العرب، إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى أفهمنا: انتظرنا نفهم ما تقول، أو انتظرنا نقل حتى تسمع منا، فيكون ذلك معنى مفهوما وإن كان غير تأويل الكلمة ولا تفسير لها، فلا نعرف «انظرنا» في كلام العرب إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا، فأما «انظرنا» بمعنى انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:
وقد نظرتكم لو أن درتكم
يوما يجيء بها مسحي وإبساسي
وأما انظرنا بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:
ظاهرات الجمال والحسن ينظر
ن كما ينظر الأراك الظباء
بمعنى كما ينظر إلى الأراك الظباء. القول في تأويل قوله تعالى: { ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }. يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخزى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية فأقصاهم وأبعدهم من الرشد، واتباع الحق بكفرهم، يعني بجحودهم نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات { فلا يؤمنون إلا قليلا } يقول: فلا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرون بنبوته إلا قليلا، يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به يا محمد إلا إيمانا قليلا. كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فلا يؤمنون إلا قليلا } قال: لا يؤمنون هم إلا قليلا. وقد بينا وجه ذلك بعلله في سورة البقرة.
[4.47]
يعني جل ثناؤه بقوله: { يأيها الذين أوتوا الكتب }: اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به، { ءامنوا } يقول: صدقوا بما أنزلنا إلى محمد من الفرقان، { مصدقا لما معكم } يعني: محققا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران، { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها }. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: طمسه إياه: محوه آثارها حتى تصير كالأقفاء. وقال آخرون: معنى ذلك: أن نطمس أبصارها فنصيرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر الوجه، والمراد به بصره. { فنردها على أدبرها }: فنجعل أبصارها من قبل أقفائها. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا }... إلى قوله: { من قبل أن نطمس وجوها } وطمسها أن تعمى فنردها على أدبارها، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقري ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبدي، قال: ثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها } قال: نجعلها في أقفائها فتمشي على أعقابها القهقرى. حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية بنحوه، إلا أنه قال: طمسها أن يردها على أقفائها. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { فنردها على أدبرها } قال: نحول وجوهها قبل ظهورها. وقال آخرون: معنى ذلك من قبل أن نعمي قوما عن الحق، فنردها على أدبارها في الضلالة والكفر. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها }: فنردها عن الصراط الحق، { فنردها على أدبرها } قال: في الضلالة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { أن نطمس وجوها } عن صراط الحق، { فنردها على أدبرها } في الضلالة. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال الحسن: { نطمس وجوها } يقول: نطمسها عن الحق، { فنردها على أدبرها }: على ضلالتها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يأيها الذين أوتوا الكتب }... إلى قوله: { كما لعنا أصحب السبت } قال: نزلت في مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع. أما { أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها } يقول: فنعميها عن الحق، ونرجعها كفارا. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها } يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردهم على أدبارهم فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها وناحيتهم التي هم بها، فنردها على أدبارها من حيث جاءوا منه بدءا من الشام. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها } قال: كان أبي يقول: إلى الشام. وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نطمس وجوها فنمحو آثارها ونسويها، فنردها على أدبارها بأن نجعل الوجوه منابت الشعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم، فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردها على أدبارها بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى قوله: { من قبل أن نطمس وجوها }: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء، فنردها على أدبارها، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحول الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشون القهقري، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يشترون الضللة } ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها }... الآية، بأسه وسطوته، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا. وإذ كان ذلك كذلك، فبين فساد قول من قال: تأويل ذلك أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة، فما وجه رد من هو في الضلالة فيها؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجا منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: يرده فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحا أن الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية برده وجوههم على أدبارهم، كان بينا فساد تأويل من قال: معنى ذلك يهددهم بردهم في ضلالتهم.
نامعلوم صفحہ