جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
ذكر من قال ذلك: حدثنا إسماعيل بن حفص الآملي وعلي بن سهل الرملي، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عتبة بن ضمرة، قال: سمعت أبا عون الأنصاري في قوله: { قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } قال: رابطوا. وأما قوله: { والله أعلم بما يكتمون } فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم، ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما يخفونه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا، فيفضحهم به، ويصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.
[3.168]
يعني تعالى ذكره بذلك: وليعلم الله الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا. فموضع «الذين» نصب على الإبدال من «الذين نافقوا»، وقد يجوز أن يكون رفعا على الترجمة عما في قوله: { يكتمون } من ذكر «الذين نافقوا» فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد، فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم، { وقعدوا } يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله: { لو أطاعونا } يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا { ما قتلوا } يعني: ما قتلوا هنالك. قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين: فادرءوا، يعني: فادفعوا من قول القائل: درأت عن فلان القتل، بمعنى: دفعت عنه، أدرؤه درءا، ومنه قول الشاعر:
تقول وقد درأت لها وضيني
أهذا دينه أبدا وديني
يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا إن كنتم أيها المنافقون صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريش، ما قتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم وتخلفهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه الموت، فإنكم قد قعدتم عن حربهم، وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { الذين قالوا لإخونهم } الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم: { لو أطاعونا ما قتلوا }... الآية: أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصا على البقاء في الدنيا وفرارا من الموت. ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول هم الذين قال الله فيهم: { وليعلم الذين نافقوا }. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الذين قالوا لإخونهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا }... الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: هم عبد الله بن أبي وأصحابه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: هو عبد الله بن أبي الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: { لو أطاعونا ما قتلوا }... الآية. قال ابن جريج عن مجاهد، قال: قال جابر بن عبد الله: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { الذين قالوا لإخونهم وقعدوا }... الآية، قال : نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي.
[3.169-170]
يعني تعالى ذكره { ولا تحسبن }: ولا تظنن. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ولا تحسبن }: ولا تظنن. وقوله: { الذين قتلوا فى سبيل الله } يعني: الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { أموتا } يقول: ولا تحسبنهم يا محمد أمواتا، لا يحسون شيئا، ولا يلتذون، ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم "
فأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال: سألنا عبد الله بن مسعود، عن هذه الآيات: { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله }... الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها، فقيل لنا:
نامعلوم صفحہ