763

فبينما هم كذلك، إذ أتاهم القوم، قد أنسوا، وقد اخترطوا سيوفهم، فكان غم الهزيمة وغمهم حين أتوهم { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من القتل { ولا ما أصبكم } من الجراحة { فأثبكم غما بغم لكيلا تحزنوا }... الآية، وهو يوم أحد. وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله: { فأثبكم غما بغم } أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين، والظفر بهم، والنصر عليهم ، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم، غم ظنكم أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه، قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم } والفائت لا شك أنه هو ما كانوا رجوا الوصول إليه من غيرهم، إما من ظهور عليهم بغلبهم، وإما من غنيمة يحتازونها، وأن قوله: { ولا ما أصبكم } هو ما أصابهم إما في أبدانهم، وإما في إخوانهم. فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الغم الثاني هو معنى غير هذين، لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غما بغم، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشىء عما فاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم، وهو الغم الأول على ما قد بيناه قبل. وأما قوله: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } فإن تأويله على ما قد بينت من أنه لكيلا تحزنوا على ما فاتكم فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور وحيازة غنائمهم، ولا ما أصابكم في أنفسكم من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم. وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبل على السبيل التي اختلفوا فيه، كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } قال: على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون، { ولا ما أصبكم } من الهزيمة. وأما قوله: { والله خبير بما تعلمون } فإنه يعني جل ثناؤه: والله بالذي تعلمون أيها المؤمنون من إصعادكم في الوادي هربا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم، وما أصابكم في أنفسهم ذو خبرة وعلم، وهو محص ذلك كله عليكم حتى يجازيكم به المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو يعفو عنه.

[3.154]

يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم تقدمه قبله أمنة، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك. ثم بين جل ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي؟ فقال: نعاسا، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة. ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: { يغشى } فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: { يغشى }. وقرأ جماعة من قراء الكوفيين بالتأنيث: { تغشى } بالتاء. وذهب الذين قرؤوا ذلك بالتذكير إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمنة، فذكره بتذكير النعاس. وذهب الذين قرؤوا ذلك بالتأنيث إلى أن الأمنة هي التي تغشاهم، فأنثوه لتأنيث الأمنة. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراء الأمصار غير مختلفتين في معنى ولا غيره، لأن الأمنة في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس: هو الأمنة. وسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب الحق في قراءته، وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله:

إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلى فى البطون

[الدخان: 43-45] و

ألم يك نطفة من مني يمنى

وهزى إليك بجذع النخلة تسقط

[مريم: 25]. فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فآمنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمت الأخرى نفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟ قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي: أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدرا من قابل، فقال لهم: «نعم» فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال:

" انظر فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا على أثقالهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا! "

ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول تعدوا على الأثقال سراعا عجالا، نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم، فقال الله جل وعز يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجهلية }.

نامعلوم صفحہ