جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
فأوجب إعمال فعل محذوف وإظهار صلته وهو متروك، وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد. وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دال على صحة دعواه، لأن في قول الشاعر: «رأتني بحبليها»، دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكا، ففي إخباره عنها أنها رأته بحبليها إخبار منه أنها رأته ممسكا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك ، وكانت الباء صلة لقوله: «رأتني»، كما في قول القائل: أنا بالله مكتف بنفسه، ومعرفة السامع معناه أن تكون الباء محتاجة إلى كلام يكون لها جالبا غير الذي ظهر، وأن المعنى أنا بالله مستعين. وقال بعض نحويي البصرة: قوله: { إلا بحبل من الله } استثناء خارج من أول الكلام، قال: وليس ذلك بأشد من قوله: { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما }.
وقال آخرون من نحويي الكوف: هو استثناء متصل. والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا: أي بكل مكان، إلا بموضع حبل من الله، كما تقول: ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان، وهذا أيضا طلب الحق، فأخطأ المفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة، وليس ذلك صفة اليهود لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل، وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل. فلو كان قوله: { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة، أن لا تكون الذلة مضروبة عليهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبين أيضا بذلك فساد قول هذا القائل أيضا. ولكن القول عندنا أن الباء في قوله: { إلا بحبل من الله } أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض في المعنى الباء، وذلك أن معنى قولهم: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا }: ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا، ثم قال: { إلا بحبل من الله وحبل من الناس } على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قيل:
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا
[النساء: 92] فالخطأ وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستنثاء، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى إلا خطأ، فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: { أينما ثقفوا إلا بحبل من الله } وإن كان الذي جلب الباء التي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا، فليس الإستثناء بالإستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكل حال، ولكن معناه ما بينا آنفا. القول في تأويل قوله تعالى: { وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بئايت الله ويقتلون الانبياء بغير حق }. يعني تعالى ذكره: { وباءوا بغضب من الله }: وتحملوا غضب الله، فانصرفوا به مستحقيه. وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى المسكنة، وأنها ذل الفاقة والفقر وخشوعهما، ومعنى الغضب من الله فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بئايت الله } يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: أي بوؤهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة عليهم، بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله، يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه.
{ ويقتلون الأنبياء بغير حق } يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداء على الله، وجراءة عليه بالباطل، وبغير حق استحقوا منهم القتل. فتأويل الكلام: ألزموا الذلة بأي مكان لقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متحمليه، وألزموا ذل الفاقة، وخشوع الفقر، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله، وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلما واعتداء. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. يقول تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربهم، واعتدائهم أمر ربهم. وقد بينا معنى الاعتداء في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته. فأعلم ربنا جل ثناؤه عباده، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا، مع ما ادخر لهم في الآجل من العقوبة والنكال، وأليم العذاب، إذ تعدوا حدود الله، واستحلوا محارمه، تذكيرا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيها على موضع البلاء الذي من قبله أتوا لينيبوا ويذكروا، وعظة منه لأمتنا، أن لا يستنوا بسنتهم، ويركبوا منهاجهم، فيسلك بهم مسالكهم، ويحل بهم من نقم الله ومثلاته ما أحل بهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلك من أهلك قبلكم من الناس
[3.113]
يعني بقوله جل ثناؤه: { ليسوا سواء } ليس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر سواء، يعني بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد والخير والشر. وإنما قيل: ليسوا سواء، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله:
ولو ءامن أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون
[آل عمران: 110] ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة، فقال: { ليسوا سواء }: أي ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى عليهم بعد ما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونخب الجنان، ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: { من أهل الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون }... الآيات الثلاث، إلى قوله:
والله عليم بالمتقين
نامعلوم صفحہ