جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
يعني بذلك جل ثناؤه: الله الذي يصوركم فيجعلكم صورا أشباحا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب، فيجعل هذا ذكرا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر. يعرف عباده بذلك أن جميع من اشتملت عليه أرحام النساء ممن صوره وخلقه كيف شاء، وأن عيسى ابن مريم ممن صوره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحب، وأنه لو كان إلها لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه، لأن خلاق ما في الأرحام لا تكون الأرحام عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين. كما: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } قد كان عيسى ممن صور في الأرحام، لا يدفعون ذلك، ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل؟ حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } أي أنه صور عيسى في الرحم كيف شاء. وقال آخرون في ذلك، ما: حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } قال: إذا وقعت النطفة في الأرحام، طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه، فيخلطه في المضغة ثم يعجنه بها ثم يصورها كما يؤمر، فيقول: أذكر أو أنثى، أشقي أو سعيد، وما رزقه، وما عمره، وما أثره، وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك. فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } قادر والله ربنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام. القول في تأويل قوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم }. وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادعى مع الله معبودا، أو أقر بربوبية غيره.
ثم أخبر جل ثناؤه خلقه بصفته وعيدا منه لمن عبد غيره أو أشرك في عبادته أحدا سواه، فقال: { هو العزيز } الذي لا ينصر من أراد الانتقام منه أحد، ولا ينجيه منه وأل ولا لجأ، وذلك لعزته التي يذل لها كل مخلوق، ويخضع لها كل موجود. ثم أعلمهم أنه الحكيم في تدبيره، وإعذاره إلى خلقه، ومتابعة حججه عليهم، ليهلك من هلك منهم عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، قال: ثم قال: يعني الرب عز وجل إنزاها لنفسه، وتوحيدا لها مما جعلوا معه { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } قال: العزيز في نصرته ممن كفر به إذا شاء، والحكيم في عذره وحجته إلى عباده. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره.
[3.7]
يعني بقوله جل ثناؤه: { هو الذى أنزل عليك الكتاب } أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، { هو الذى أنزل عليك الكتاب } يعني بالكتاب: القرآن. وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سمي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: { منه آيات محكمات } فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن. وأما المحكمات: فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهن أم الكتاب، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع معظم الشيء أما له، فتسمي راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ووحد أم الكتاب، ولم يجمع فيقول: هن أمهات الكتاب، وقد قال هن لأنه أراد جميع الآيات المحكمات أم الكتاب، لا أن كل آية منهن أم الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن أم الكتاب، لكان لا شك قد قيل: هن أمهات الكتاب. ونظير قول الله عز وجل: { هن أم الكتاب } على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل«هن» قوله تعالى ذكره:
وجعلنا ابن مريم وأمه آية
[المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية، إذ كان المعنى واحدا فيما جعلا فيه للخلق عبرة. ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده، بأنه جعل للخلق عبرة، لقيل: وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا، فكان في كل واحد منهما للناس آية. وقد قال بعض نحويي البصرة: إنما قيل: { هن أم الكتاب } ولم يقل: «هن أمهات الكتاب» على وجه الحكاية، كما يقول الرجل: ما لي أنصار، فتقول: أنا أنصارك، أو ما لي نظير، فتقول: نحن نظيرك. قال: وهو شبيه «دعني من تمرتان»، وأنشد لرجل من فقعس:
تعرضت لي بمكان حل
تعرض المهرة في الطول
تعرضا لم تأل عن قتلا لي
حل أي يحل به، على الحكاية، لأنه كان منصوبا قبل ذلك، كما يقول: نودي: الصلاة الصلاة، يحكي قول القائل: الصلاة الصلاة! وقال: قال بعضهم: إنما هي أن قتلا لي، ولكنه جعله «عن» لأن أن في لغته تجعل موضعها «عن» والنصب على الأمر، كأنك قلت: ضربا لزيد.
نامعلوم صفحہ