جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } إلى قوله: { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } قال: أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، وأمر ما كان يدا بيد أن يشهد عليه صغيرا كان أو كبيرا ورخص لهم أن لا يكتبوه. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق وعامة القراء: «إلا أن تكون تجارة حاضرة» بالرفع، وانفرد بعض قراء الكوفيين فقرأه بالنصب. وذلك وإن كان جائزا في العربية، إذ كانت العرب تنصب النكرات والمنعوتات مع «كان»، وتضمر معها في «كان» مجهولا، فتقول: إن كان طعاما طيبا فأتنا به، وترفعها فتقول: إن كان طعام طيب فأتنا به، فتتبع النكرة خبرها بمثل إعرابها. فإن الذي أختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءة بغيره، الرفع في «التجارة الحاضرة»، لإجماع القراء على ذلك ، وشذوذ من قرأ ذلك نصبا عنهم، ولا يعترض بالشاذ على الحجة. ومما جاء نصبا قول الشاعر:
أعيني هل تبكيان عفاقا
إذا كان طعنا بينهم وعناقا
وقول الآخر:
ولله قومي أي قوم لحرة
إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا
وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات لما وصفنا من إتباع أخبار النكرات أسماءها، وكان من حكمها أن يكون معها مرفوع ومنصوب، فإذا رفعوهما جميعهما تذكروا إتباع النكرة خبرها، وإذا نصبوهما تذكروا صحبة «كان» منصوب ومرفوع، ووجدوا النكرة يتبعها خبرها، وأضمروا في كان مجهولا لاحتمالها الضمير. وقد ظن بعض الناس أن من قرأ ذلك: { إلا أن تكون تجرة حاضرة } إنما قرأه على معنى: إلا أن يكون تجارة حاضرة، فزعم أنه كان يلزم قارىء ذلك أن يقرأ «يكون» بالياء، وأغفل موضع صواب قراءته من جهة الإعراب، وألزمه غير ما يلزمه. وذلك أن العرب إذا جعلوا مع كان نكرة مؤنثا بنعتها أو خبرها، أنثوا «كان» مرة وذكروها أخرى، فقالوا: إن كانت جارية صغيرة فاشتروها، وإن كان جارية صغيرة فاشتروها، تذكر «كان» وإن نصبت النكرة المنعوتة أو رفعت أحيانا وتؤنث أحيانا. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: «إلا أن تكون تجارة حاضرة» مرفوعة فيه التجارة الحاضرة لأن يكون بمعنى التمام، ولا حاجة بها إلى الخبر، بمعنى: إلا أن توجد أو تقع أو تحدث، فألزم نفسه ما لم يكن لها لازما، لأنه إنما ألزم نفسه ذلك إذا لم يكن يجد لكان منصوبا، ووجد التجارة الحاضرة مرفوعة، وأغفل جواز قوله: { تديرونها بينكم } أن يكون خبرا لكان، فيستغني بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم. والذي قال من حكينا قوله من البصريين غير خطأ في العربية، غير أن الذي قلنا بكلام العرب أشبه، وفي المعنى أصح، وهو أن يكون في قوله: { تديرونها بينكم } وجهان: أحدهما أنه في موضع نصب على أنه حل محل خبر «كان»، والتجارة الحاضرة اسمها.
والآخر: أنه في موضع رفع على إتباع التجارة الحاضرة، لأن خبر النكرة يتبعها، فيكون تأويله: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم. القول في تأويل قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم }. يعني بذلك جل ثناؤه: وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونسائه، فإن إرخاصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدا بيد ونقدا ليس بإرخاص مني لكم في ترك الإشهاد منكم على من بعتموه شيئا أو ابتعتم منه، لأن في ترككم الإشهاد على ذلك خوف المضرة على كل من الفريقين. أما على المشتري فأن يجحد البائع المبيع، وله بينة على ملكه ما قد باع، ولا بينة للمشتري منه على الشراء منه فيكون القول حينئذ قول البائع مع يمينه ويقضي له به، فيذهب مال المشتري باطلا. وأما على البائع فأن يجحد المشتري الشراء، وقد زال ملك البائع عما باع، ووجب له قبل المبتاع ثمن ما باع، فيحلف على ذلك فيبطل حق البائع قبل المشتري من ثمن ما باعه. فأمر الله عز وجل الفريقين بالإشهاد، لئلا يضيع حق أحد الفريقين قبل الفريق الآخر. ثم اختلفوا في معنى قوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } أهو أمر من الله واجب بالإشهاد عند المبايعة، أم هو ندب؟ فقال بعضهم: هو ندب إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن وشقيق، عن رجل، عن الشعبي في قوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمنته }؟ حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا الربيع بن صبيح، قال: قلت للحسن: أرأيت قول الله عز وجل: { وأشهدوا إذا تبايعتم }؟ قال: إن أشهدت عليه فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد عليه فلا بأس. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن صبيح، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد قول الله عز وجل: { وأشهدوا إذا تبايعتم } أبيع الرجل وأنا أعلم أنه لا ينقد في شهرين ولا ثلاثة، أترى بأسا ألا أشهد عليه؟ قال: إن أشهدت فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد فلا بأس. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن الشعبي: { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال: إن شاؤوا أشهدوا، وإن شاؤا لم يشهدوا.
وقال آخرون: الإشهاد على ذلك واجب. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ولكن أشهدوا عليها إذا تبايعتم أمر الله ما كان يدا بيد، أن يشهدوا عليه صغيرا كان أو كبيرا. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويشهد عليه، وذلك في المقام. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن الإشهاد على كل مبيع ومشترى حق واجب وفرض لازم، لما قد بينا من أن كل أمر لله ففرض، إلا ما قامت حجته من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد. وقد دللنا على وهي قول من قال ذلك منسوخ بقوله: { فليؤد الذى اؤتمن أمنته } فيما مضى فأغنى عن إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا شهيد }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ذلك نهي من الله لكاتب الكتاب بين أهل الحقوق والشهيد أن يضار أهله، فيكتب هذا ما لم يملله المملي، ويشهد هذا بما لم يستشهده الشهيد. ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه في قوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } ولا يضار كاتب فيكتب ما لم يمل عليه، ولا شهيد فيشهد بما لم يستشهد. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، قال: كان الحسن يقول: لا يضار كاتب فيزيد شيئا أو يحرف، ولا شهيد، قال: لا يكتم الشهادة. ولا يشهد إلا بحق. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن قتادة، قال: اتقى الله شاهد في شهادته لا ينقص منها حقا ولا يزيد فيها باطلا. اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا ولا يزيدن فيه باطلا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قال: لا يضار كاتب فيكتب ما لم يملل، ولا شهيد فيشهد بما لم يستشهد. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة نحوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد }. قال: لا يضار كاتب فيكتب غير الذي أملي عليه، قال: والكتاب يومئذ قليل، ولا يدرون أي شيء يكتب، فيضار، فيكتب غير الذي أملي عليه، فيبطل حقهم.
قال: والشهيد: يضار فيحول شهادته، فيبطل حقهم. فأصل الكلمة على تأويل من ذكرنا من هؤلاء: ولا يضارر كاتب ولا شهيد، ثم أدغمت الراء في الراء لأنهما من جنس وحركت إلى الفتح وموضعها جزم، لأن الفتح أخف الحركات. وقال آخرون ممن تأول هذه الكلمة هذا التأويل: معنى ذلك: ولا يضار كاتب ولا شهيد بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عندهما من العلم أو الشهادة. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء في قوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } يقول: أن يؤديا ما قبلهما. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قال: «لا يضار» أن يؤديا ما عندهما من العلم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: { لا يضار كاتب ولا شهيد } قال: أن يدعوهما فيقولان: إن لنا حاجة. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال : ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قالا: واجب على الكاتب أن يكتب، { ولا شهيد } ، قالا: إذا كان قد شهدا قبله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يضار المستكتب والمستشهد الكاتب والشهيد. وتأويل الكلمة على مذهبهم: ولا يضارر على وجه ما لم يسم فاعله. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: كان عمر يقرأ: «ولا يضارر كاتب ولا شهيد». حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، قال: كان ابن مسعود يقرأ: «ولا يضارر». حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد، أنه كان يقرأ: «ولا يضارر كاتب ولا شهيد»، وأنه كان يقول في تأويلها: ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد، ولعله أن يكون في شغل أو حاجة ليؤثمه إن ترك ذلك حينئذ لشغله وحاجته. وقال مجاهد: لا يقم عن شغله وحاجته، فيجد في نفسه أو يحرج. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: { ولا يضار كاتب ولا شهيد } والضرار: أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت، فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره. فنهاه الله عز وجل عن ذلك، وقال: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم }.
نامعلوم صفحہ