490

[البقرة: 227] { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فأوجب تعالى ذكره على المرأة إذا صارت مطلقة تربص ثلاثة قروء، فمعلوم أنها لم تكن مطلقة يوم آلى منها زوجها لإجماع الجميع على أن الإيلاء ليس بطلاق موجب على المولى منها العدة. وإذ كان ذلك كذلك، فالعدة إنما تلزمها بعد الطلاق، والطلاق إنما يلحقها بما قد بيناه قبل. وأما معنى قوله: { والمطلقات } فإنه: والمخليات السبيل غير ممنوعات بأزواج ولا مخطوبات، وقول القائل: فلانة مطلقة، إنما هو مفعلة من قول القائل: طلق الرجل زوجته فهي مطلقة وأما قولهم: هي طالق، فمن قولهم: طلقها زوجها فطلقت هي، وهي تطلق طلاقا، وهي طالق. وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول: طلقت المرأة وإنما قيل ذلك لها إذا خلاها زوجها، كما يقال للنعجة المهملة بغير راع ولا كالىء إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مخلاة سبيلها: هي طالق فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها، وسميت بما سميت به النعجة التي وصفنا أمرها. وأما قولهم: طلقت المرأة، فمعنى غير هذا إنما يقال في هذا إذا نفست، هذا من الطلق، والأول من الطلاق. وقد بينا أن التربص إنما هو التوقف عن النكاح، وحبس النفس عنه في غير هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: ولا يحل لهن، يعني للمطلقات أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض إذا طلقن، حرم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلقوهن في الطلاق الذي عليهم لهن فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال الله تعالى ذكره: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } إلى قوله: { وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } قال: بلغنا أن ما خلق في أرحامهن الحمل، وبلغنا أنه الحيضة، فلا يحل لهن أن يكتمن ذلك لتنقضي العدة ولا يملك الرجعة إذا كانت له.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: الحيض. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: أكثر ذلك الحيض. حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت مطرفا، عن الحكم، قال: قال إبراهيم في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: الحيض. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: الحيض. ثم قال خالد: الدم. وقال آخرون: هو الحيض، غير أن الذي حرم الله تعالى ذكره عليها كتمانه فيما خلق في رحمها من ذلك هو أن تقول لزوجها المطلق وقد أراد رجعتها قبل الحيضة الثالثة: قد حضت الحيضة الثالثة كاذبة، لتبطل حقه بقيلها الباطل في ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبيدة بن مغيث، عن إبراهيم في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: الحيض المرأة تعتد قرأين، ثم يريد زوجها أن يراجعها، فتقول: قد حضت الثالثة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: أكثر ما عني به الحيض. وقال آخرون: بل المعنى الذي نهيت عن كتمانه زوجها المطلق الحبل والحيض جميعا. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من الحيض والحمل، لا يحل لها إن كانت حائضا أن تكتم حيضها، ولا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتم حملها. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن ادريس، قال: سمعت مطرفا، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: الحمل والحيض.. قال: ابن كريب: قال ابن إدريس: هذا أول حديث سمعته من طرف. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن الحكم، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: الحبل.

حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن ليث، عن مجاهد في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: من الحيض والولد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: من الحيض والولد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: لا يحل للمطلقة أن تقول إني حائض وليست بحائض، ولا تقول: إني حبلى وليست بحبلى، ولا تقول: لست بحبلى وهي بحبلى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن مجاهد، قال: الحيض والحبل، قال: تفسير أن لا تقول إني حائض وليست بحائض، ولا ليست بحائض وهي حائض، ولا أني حبلى وليست بحبلى، ولا لست بحبلى وهي حبلى. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحجاج، عن القاسم بن نافع، عن مجاهد نحو هذا التفسير في هذه الآية. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه: قال: وذلك كله في بغض المرأة زوجها وحبه. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يقول: لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحبل، لا يحل لها أن تقول: إني قد حضت ولم تحض، ولا يحل أن تقول: إني لم أحض وقد حاضت، ولا يحل لها أن تقول: إني حبلى وليست بحبلى، ولا أن تقول: لست بحبلى وهي حبلى. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } الآية، قال: لا يكتمن الحيض ولا الولد، ولا يحل لها أن تكتمه وهو لا يعلم متى تحل لئلا يرتجعها مضارة. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يعني الولد، قال: الحيض والولد هو الذي اؤتمن عليه النساء. وقال آخرون: بل عنى بذلك الحبل. ثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نهيت عن كتمان ذلك الرجل، فقال بعضهم: نهيت عن ذلك لئلا تبطل حق الزوج من الرجعة إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها.

ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح أنه حدثه أن عمر بن الخطاب قال لرجل: اتل هذه الآية فتلا. فقال: إن فلانة ممن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن. وكانت طلقت وهي حبلى، فكتمت حتى وضعت. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، وهو قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يوءمن بالله واليوم الآخر }. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول: الطلاق مرتان بينهما رجعة، فإن بدا له أن يطلقها بعد هاتين فهي ثالثة، وإن طلقها ثلاثا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. إنما اللاتي ذكرن في القرآن: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يوءمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن } هي التي طلقت واحدة أو ثنتين، ثم كتمت حملها لكي تنجو من زوجها، فأما إذا بت الثلاث تطليقات فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره. وقال آخرون: السبب الذي من أجله نهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كن يكتمنه أزواجهن خوف مراجعتهم إياهن حتى يتزوجن غيرهم، فيلحق بسببه الحمل الذي هو من الزوج المطلق بمن تزوجته فحرم الله ذلك عليهن. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا سويد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قال: كانت المرأة إذا طلقت كتمت ما في بطنها وحملها لتذهب بالولد إلى غير أبيه، فكره الله ذلك لهن. حدثني محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: علم الله أن منهن كواتم يكتمن الولد، وكان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته وهي حامل، فتكتم الولد وتذهب به إلى غيره، وتكتم مخافة الرجعة، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر منها. وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله نهين عن كتمان ذلك، هو أن الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حمل لكيلا يطلقها، وهي حامل منه للضرر الذي يلحقه وولده في فراقها إن فارقها، فأمرن بالصدق في ذلك ونهين عن الكذب.

ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها: هل بك حمل؟ فتكتمه إرادة أن تفارقه، فيطلقها وقد كتمته حتى تضع. وإذا علم بذلك فإنها ترد إليه عقوبة لما كتمته، وزوجها أحق برجعتها صاغرة. وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: الذي نهيت المرأة المطلقة عن كتمانه زوجها المطلقها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها الحيض والحبل لأنه لا خلاف بين الجميع أن العدة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث في قول من قال: القرء: الطهر، وفي قول من قال: هو الحيض إذا انقطع من الحيضة الثالثة فتطهرت بالاغتسال. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره إنما حرم عليهن كتمان المطلق الذي وصفنا أمره ما يكون بكتمانهن إياه بطول حقه الذي جعله الله له بعد الطلاق عليهن إلى انقضاء عددهن، وكان ذلك الحق يبطل بوضعهن ما في بطونهن إن كن حوامل، وبانقضاء الأقراء الثلاثة إن كن غير حوامل، علم أنهن منهيات عن كتمان أزواجهن المطلقين من كل واحد منهما أعني من الحيض والحبل مثل الذي هن منهيات عنه من الآخر، وأن لا معنى لخصوص من خص بأن المراد بالآية من ذلك أحدهما دون الآخر، إذ كان جميع مما خلق الله في أرحامهن، وأن في كل واحدة منهما من معنى بطول حق الزوج بانتهائه إلى غاية مثل ما في الآخر. ويسأل من خص ذلك فجعله لأحد المعنيين دون الآخر عن البرهان على صحة دعواه من أصل أو حجة يجب التسليم لها، ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله. وأما الذي قاله السدي من أنه معني به نهي النساء كتمان أزواجهن الحبل عند إرادتهم طلاقهن، فقول لما يدل عليه ظاهر التنزيل مخالف، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } بمعنى: ولا يحل أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الثلاثة القروء إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر تحريم ذلك عليهن بعد وصفه إياهن بما وصفهن به من فراق أزواجهن بالطلاق، وإعلامهن ما يلزمهن من التربص معرفا لهن بذلك ما يحرم عليهن وما يحل، وما يلزمهن من العدة ويجب عليهن فيها، فكان مما عرفهن أن من الواجب عليهن أن لا يكتمن أزواجهن الحيض والحبل الذي يكون بوضع هذا وانقضاء هذا إلى نهاية محدودة انقطاع حقوق أزواجهن ضرار منهن لهم، فكان نهيه عما نهاهن عنه من ذلك بأن يكون من صفة ما يليه قبله ويتلوه بعده، أولى من أن يكون من صفة ما لم يجر له ذكر قبله.

فإن قال قائل: ما معنى قوله: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } أو يحل لهن كتمان ذلك أزواجهن إن كن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر حتى خص النهي عن ذلك المؤمنات بالله واليوم الآخر؟ قيل: معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإنما معناه: أن كتمان المرأة المطلقة زوجها المطلقها ما خلق الله تعالى في رحمها من حيض وولد في أيام عدتها من طلاقه ضرارا له ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر ولا من أخلاقه، وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وأخلاقهن من النساء الكوافر فلا تتخلقن أيتها المؤمنات بأخلاقهن، فإن ذلك لا يحل لكن إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر وكنتن من المسلمات لا أن المؤمنات هن المخصوصات بتحريم ذلك عليهن دون الكوافر، بل الواجب على كل من لزمته فرائض الله من النساء اللواتي لهن أقراء إذا طلقت بعد الدخول بها في عدتها أن لا تكتم زوجها ما خلق الله في رحمها من الحيض والحبل. القول في تأويل قوله تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }. والبعولة جمع بعل: وهو الزوج للمرأة، ومنه قول جرير:

أعدوا مع الحلي الملاب فإنما

جرير لكم بعل وأنتم حلائله

وقد يجمع البعل البعولة والبعول، كما يجمع الفحل الفحول والفحولة، والذكر الذكور والذكورة. وكذلك ما كان على مثال «فعول» من الجمع، فإن العرب كثيرا ما تدخل فيه الهاء، فأما ما كان منها على مثال «فعال» فقليل في كلامهم دخول الهاء فيه، وقد حكي عنهم العظام والعظامة، ومنه قول الراجر:

ثم دفنت الفرث والعظامة

نامعلوم صفحہ