جامع البيان في تفسير القرآن
جامع البيان في تفسير القرآن
[المائدة: 5] للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات. وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وفي كتابنا «كتاب اللطيف من البيان» أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجيئه، وذلك غير موجود بأن قوله:
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب
[المائدة: 5] ناسخ ما كان قد وجب تحريمه من النساء بقوله: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }. فإن لم يكن ذلك موجودا كذلك، فقول القائل: هذه ناسخة هذه دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوى لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد. وأما القول الذي روي عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه من تفريقه بين طلحة وحذيفة وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين، فقول لا معنى له لخلافه ما الأمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى ذكره، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول خلاف ذلك بإسناد هو أصح منه، وهو ما: حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.
وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رحمة الله عليهم نكاح اليهودية والنصرانية، حذرا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما. كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المؤمنات منهن. وقد حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا "
فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب. فمعنى الكلام إذا: ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركات غير أهل الكتاب حتى يؤمن، فيصدقن بالله ورسوله، وما أنزل عليه. القول في تأويل قوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ولأمة مؤمنة } بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله خير عند الله، وأفضل من حرة مشركة كافرة وإن شرف نسبها وكرم أصلها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإن الإماء المسلمات عند الله خير منكحا منهن. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل نكح أمة، فعذل في ذلك وعرضت عليه حرة مشركة.ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها ثم فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبرها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما هي يا عبد الله "
قال: يا رسول الله هي تصوم وتصلي وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال:
" هذه مؤمنة "
فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا: تزوج أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم.
نامعلوم صفحہ