411

جامع البيان في تفسير القرآن

جامع البيان في تفسير القرآن

واعتلوا بالأخبار التي ذكرناها قبل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك : { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: الصيام: ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، مثله. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، مثله. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما قالا في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قالا: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن عبد الله بن معقل، عن كعب بن عجرة أنه قال في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: الصيام ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة فصاعدا إلا أنه قال في إطعام المساكين: ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } إن صنع واحدا فعليه فدية، وإن صنع اثنين فعليه فديتان، وهو مخير أن يصنع أي الثلاثة شاء. أما الصيام فثلاثة أيام. وأما الصدقة فستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأما النسك فشاة فما فوقها. نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري كان أحصر فقمل رأسه، فحلقه. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فمن كان مريضا أو اكتحل، أو ادهن، أو تداوى، أو كان به أذى من رأسه من قمل فحلق، ففدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة فرق بين ستة مساكين، أو نسك، والنسك: شاة. حدثت عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } قال: فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق، ففدية من صيام أو صدقة، أو نسك. قال: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة: إطعام ستة مساكين، بين كل مسكينين صاع. والنسك: شاة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، قال: يصوم صاحب الفدية مكان كل مدين يوما، قال: مدا لطعامه، ومدا لإدامه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة بإسناده مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سئل علي رضي الله عن قول الله: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يزيد بن أبي حبيب، عن حرب بن قيس مولى يحيى بن أبي طلحة أنه سمع محمد بن كعب، وهو يذكر الرجل الذي نزل فيه: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } قال: فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الصيام: فثلاثة أيام، وأما المساكين فستة، وأما النسك فشاة. حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي شاة، فإن عجل قبل أن يبلغ الهدي محله حلق رأسه، أو مس طيبا، أو تداوى، كان عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك. والصيام: ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك: شاة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قالا: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك: شاة. وقال آخرون: الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذى، أو تطيب لعلة من مرض، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحته وهو محرم من الصوم: صيام عشرة أيام، ومن الصدقة: إطعام عشرة مساكين. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء فالصيام: عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين، مكوكا من تمر، ومكوكا من بر، والنسك: شاة. حدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: ثنا بشر بن عمرو، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قال: إطعام عشرة مساكين. وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب على محرم أو صدقة جزاء من نقص دخل في إحرامه، أو فعل ما لم يكن له فعله بدلا من دم على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي. وقالوا: جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده، قالوا: فكل صوم وجب مكان دم فمثله، قالوا: فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان.

قالوا: فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره، فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق. وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده قومت الشاة دراهم والدراهم طعاما، فتصدق به، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فأجابه بقوله: يحكم عليه إطعام، فإن كان عنده اشترى شاة، فإن لم تكن قومت الشاة دراهم فجعل مكانه طعاما فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يوما. فقال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر. قال: لما قال لي سعيد بن جبير: هذا ما أظرفه قال: قلت: هذا إبراهيم قال: ما أظرفه كان يجالسنا. قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت «يجالسنا»، انتفض منها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يحكم على الرجل في الصيد، فإن لم يجد جزاءه قوم طعاما، فإن لم يكن طعام صام مكان كل مدين يوما، وكذلك الفدية. وقال آخرون: بل هو مخير بين الخلال الثلاث يفتدي بأيها شاء. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن «أو أو»، فهو بالخيار، مثل الجراب فيه الخيط الأبيض والأسود، فأيهما خرج أخذته. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: كل شيء في القرآن «أو أو» فصاحبه بالخيار، يأخذ الأولى فالأولى. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: كل ما كان في القرآن «كذا فمن لم يجد فكذا» فالأول فالأول، وكل ما كان في القرآن «أو كذا أو كذا»، فهو فيه بالخيار. حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي عن يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وسئل عن قوله: { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فقال مجاهد: إذا قال الله تبارك وتعالى لشيء «أو أو»، فإن شئت فخذ بالأول، وإن شئت فخذ بالآخر. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء وعمرو بن دينار في قوله: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } قالا: له أيتهن شاء. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: كل شيء في القرآن «أو أو»، فلصاحبه أن يختار أيه شاء.

قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: كل شيء في القرآن أو أو، فلصاحبه أن يأخذ بما شاء. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا ليث عن عطاء ومجاهد أنهما قالا: ما كان في القرآن «أو كذا أو كذا»، فصاحبه بالخيار، أي ذلك شاء فعل. حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفيان، عن ليث ومجاهد، عن ابن عباس، قال: كل شيء في القرآن «أو أو»، فهو مخير فيه، فإن كان «فمن فمن»، فالأول فالأول. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: كل شيء في القرآن «أو أو»، فليتخير أي الكفارات شاء، فإذا كان «فمن لم يجد»، فالأول فالأول. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال: حدثت عن عطاء، قال: كل شيء في القرآن «أو أو» فهو خيار. والصواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. وللمفتدي الخيار بين أي ذلك شاء لأن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها، بل جعل إليه فعل أي الثلاث شاء. ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له: ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير إذا كان موسرا في أن يكفر بأي الكفارات الثلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال بلى، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به، ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفارة للمتمتع قبل التمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم: وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين . فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز. قيل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة الحلق قبل الحلق وهدي المتعة قبل التمتع ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

فإن اعتل في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأمة، قيل له فرد الأخرى قياسا عليها إذ كان فيها اختلاف. وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى من الصيام: عشرة أيام، ومن الإطعام: عشرة مساكين فمخالفون نص الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقال لهم: أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإطعام أو الصيام، أتسوون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام، أم تفرقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سووا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية من الإطعام والصيام وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف. وإن قالوا: بل نخالف بين ذلك، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام. قيل: فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة، وإنما هو تارك عملا من الأعمال، وتركتم رد الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه، ومخير بين الكفارات الثلاث، نظير مصيب الصيد، الذي هو بإصابته إياه له متلف ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقولوا في ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس عليه بالفساد شاهد؟ واختلف أهل العلم في الموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته، فقال بعضهم: النسك والإطعام بمكة لا يجزىء بغيرها من البلدان. ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: ما كان من دم أو صدقة فبمكة، وما سوى ذلك حيث شاء. حدثني يحيى بن طلحة، ثنا فضيل، عن ليث، عن طاوس، قال: كل شيء من الحج فبمكة، إلا الصوم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سألت عطاء عن النسك، قال: النسك بمكة لا بد. حدثنا ابن حميد قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: الصدقة والنسك في الفدية بمكة، والصيام حيث شئت.

حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، قال: ثنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبل، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: النسك بمكة أو بمنى، والطعام بمكة. وقال آخرون: النسك في الحلق والإطعام والصوم حيث شاء المفتدي. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، قال: أخبرني أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حج عثمان ومعه علي والحسين بن علي رضوان الله عليهم، فارتحل عثمان قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر قال: فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلنا له: أيها النائم فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي. قال: فحمله ابن جعفر حتى أتى به السقيا. قال: فأرسل إلى علي، فجاء ومعه أسماء بنت عميس. قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة. قال: فقال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ إلى رأسه. قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها. حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد بن عبد الله بن المسيب المخزومي أخبره أنه سمع أبا أسماء مولى عبد الله بن جعفر، يحدث: أنه خرج مع عبد الله بن جعفر يريد مكة مع عثمان، حتى إذا كنا بين السقيا والعرج اشتكى الحسين بن علي، فأصبح في مقيله الذي قال فيه بالأمس. قال أبو أسماء: فصحبته أنا وعبد الله بن جعفر، فإذا راحلة حسين قائمة وحسين مضطجع، فقال عبد الله بن جعفر: إن هذه لراحلة حسين. فلما دنا منه قال له: أيها النائم وهو يظن أنه نائم فلما دنا منه وجده يشتكي، فحمله إلى السقيا، ثم كتب إلى علي فقدم إليه إلى السقيا فمرضه قريبا من أربعين ليلة. ثم إن عليا قيل له: هذا حسين يشير إلى رأسه، فدعا علي بجزور فنحرها، ثم حلق رأسه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أقبل حسين بن علي مع عثمان حراما، حسبت أنه اشتكى بالسقيا. فذكر ذلك لعلي، فجاء هو وأسماء بنت عميس، فمرضوه عشرين ليلة، فأشار حسين إلى رأسه، فحلقه ونحر عنه جزورا. قلت: فرجع به؟ قال: لا أدري. وهذا الخبر يحتمل أن يكون ما ذكر فيه من نحر علي عن الحسين الناقة قبل حلقه رأسه، ثم حلقه رأسه بعد النحر إن كان على ما رواه مجاهد عن يزيد كان على وجه الإحلال من الحسين من إحرامه للإحصار عن الحج بالمرض الذي أصابه، وإن كان على ما رواه يعقوب عن هشيم من نحر علي عنه الناقة بعد حلقه رأسه أن يكون على وجه الافتداء من الحلق، وأن يكون كان يرى أن نسك الفدية يجزىء نحره دون مكة والحرم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الفدية حيث شئت. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن الحكم، عن إبراهيم في الفدية في الصدقة والصوم والدم: حيث شاء. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيدة، عن إبراهيم أنه كان يقول، فذكر مثله. وقال آخرون: ما كان من دم نسك فبمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء المفتدي. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء. وعلة من قال: الدم والإطعام بمكة، القياس على هدي جزاء الصيد وذلك أن الله شرط في هديه بلوغ الكعبة فقال:

يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة

[المائدة: 95]. قالوا: فكل هدي وجب من جزاء أو فدية في إحرام، فسبيله سبيل جزاء الصيد في وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله، لأنها واجبة لمن وجب عليه الهدي، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم، فحكمهما واحد. وأما علة من زعم أن للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدق ويصوم أن الله لم يشترط على الحالق رأسه من أذى هديا، وإنما أوجب عليه نسكا أو إطعاما أو صياما، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم، وإذا دخل في عداد من يستحق ذلك الاسم كان مؤديا ما كلفه الله، لأن الله لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة لشرط ذلك عليه، كما شرط في جزاء الصيد، وفي ترك اشتراط ذلك عليه دليل واضح، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ. وأما علة من قال: النسك بمكة والصيام والإطعام حيث شاء، فالنسك دم كدم الهدي، فسبيله سبيل هدي قاتل الصيد. وأما الإطعام فلم يشترط الله فيه أن يصرف إلى أهل مسكنة مكان دون مكان، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة، فليس لأحد أن يدعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان، إذ لم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه، كما ليس لأحد أن يدعى أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم، إذ كان الله قد خص أن ذلك لمن به من أهل المسكنة.

والصواب من القول في ذلك، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فيجزي عن المفتدي وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يجب أن يكن مردودات الأحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها، فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز رد حكمها على المفسرة قياسا، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنزيل إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله. وأجمعوا على أن الصيام مجزىء عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد. واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟ فقال بعضهم ليس للمفتدي أن يأكل منه، ولكن عليه أن يتصدق بجميعه. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك، عن عطاء، قال: ثلاث لا يؤكل منهن: جزاء الصيد، وجزاء النسك، ونذر المساكين. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالم ، عن عطاء قال: لا تأكل من فدية، ولا من جزاء، ولا من نذر، وكل من المتعة، ومن الهدي التطوع. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام وهارون، عن عنبسة، عن سالم، عن مجاهد، قال: جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها، ويأكل من التطوع والتمتع. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عمرو، عن الحجاج، عن عطاء، قال: لا تأكل من جزاء، ولا من فدية، وتصدق به. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال عطاء: لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراما والكفارات كذلك. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا عبد الملك والحجاج وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: لا يؤكل من جزاء الصيد، ولا من النذر، ولا من الفدية، ويؤكل مما سوى ذلك. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: لا يؤكل من الفدية. وقال مرة: من هدي الكفارة، ولا من جزاء الصيد. وقال بعضهم: له أن يأكل منه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك.

نامعلوم صفحہ