1195

يبين الله لكم أن تضلوا

بمعنى: أن لا تضلوا، لأن الكن إنما جعل على القلب لئلا يفقهه لا ليفقهه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } أما أكنة: فالغطاء، أكن قلوبهم لا يفقهون الحق، { وفي آذانهم وقرا } قال صمم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { ومنهم من يستمع إليك } قال: قريش. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين }. يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام، الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك، { كل آية }: يقول: كل حجة وعلامة تدل أهل الحجا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك { لا يؤمنوا بها } يقول: لا يصدقون بها ولا يقرون بأنها دالة على ما هي عليه دالة.

{ حتى إذا جاءوك يجادلونك } يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به يجادلونك، يقول: يخاصمونك. { يقول الذين كفروا } يعني بذلك الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتج بها عليهم وبيانه الذي بينه لهم: { إن هذا إلا أساطير الأولين } أي ما هذا إلا أساطير الأولين. والأساطير: جمع أسطارة وأسطورة مثل أفكوهة وأضحوكة، وجائز أن يكون الواحد أسطارا مثل أبيات وأبابيت وأقوال وأقاويل، من قول الله تعالى: { وكتاب مسطور من سطر يسطر سطرا. فإن كان من هذا، فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأولون. وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأولونه بهذا التأويل، ويقولون معناه: إن هذا إلا أحاديث الأولين. حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما: { أساطير الأولين } فأساجيع الأولين. وكان بعض أهل العلم وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى بكلام العرب يقول: الإسطارة: لغة الخرافات والترهات. وكان الأخفش يقول: قال بعضهم: واحده أسطورة، وقال بعضهم: إسطارة قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد، نحو العبابيد والمذاكير والأبابيل. قال: وقال بعضهم: واحد الأبابيل: إبيل وقال بعضهم: إبول، مثل عجول، ولم أجد العرب تعرف له واحدا، وإنما هو مثل عباديد لا واحد لها. وأما الشماطيط، فإنهم يزعمون أن واحده شمطاط، قال: وكل هذه لها واحد، إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به، لأن هذا المثال لا يكون إلا جمعا قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: أرسل خيله أبابيل، تريد جماعات، فلا تتكلم بها موحدة. وكانت مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر، ما: حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { حتى إذا جاءوك يجادلونك... } الآية: قال: هم المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة، يقولون: أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون، وأما ما قتل الله فلا تأكلون، وأنتم تتبعون أمر الله تعالى.

[6.26]

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله، ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والقبول منه، وينأون عنه: يتباعدون عنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع ، قال: ثنا حفص بن غياث وهانيء بن سعيد، عن حجاج، عن سالم، عن ابن الحنفية: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه. حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } يعني: ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به. { وينأون عنه } يعني: يتباعدون عنه. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } أن يتبع محمد ويتباعدون هم منه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } يقول: لا يلقونه، ولا يدعون أحدا يأتيه. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: { وهم ينهون عنه } يقول: عن محمد صلى الله عليه وسلم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } جمعوا النهي والنأي. والنأي: التباعد. وقال بعضهم: بل معناه: { وهم ينهون عنه } عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { وهم ينهون عنه } قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم. { وينأون عنه } ويتباعدون عنه. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وهم ينهون عنه } قال قريش عن الذكر. { وينأون عنه } يقول يتباعدون. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قريش عن الذكر، ينأون عنه: يتباعدون. حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعدون عنه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ينأون عنه } قال: ينأون عنه: يبعدون. وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه: يتباعدون عن دينه واتباعه.

ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع وقبيصة، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس يقول: نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن محمد أن يؤذي وينأى عما جاء به أن يؤمن به. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ثني من سمع ابن عباس يقول: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: نزلت في أبي طالب ينهي عنه أن يؤذي، وينأي عما جاء به. حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: نزلت في أبي طالب كان ينهي المشركين أن يؤذوا محمدا، وينأى عما جاء به. حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، قال: كان أبو طالب ينهي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصدقه. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي ومحمد بن بشر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: نزلت في أبي طالب. قال ابن وكيع: قال ابن بشر: كان أبو طالب ينهي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، ولا يصدق به. حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، عن أبي محمد الأسدي، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } نزلت في أبي طالب كان ينهي عن أذى محمد، وينأى عما جاء به أن يتبعه. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال: نزلت في أبي طالب. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب، قال: ذاك أبو طالب، في قوله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه }. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قوله الله: { وهم ينهون عنه وينأون عنه } أنها نزلت في أبي طالب، أنه كان ينهى الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى. وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويله: { وهم ينهون عنه } عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم من سواهم من الناس، وينأون عن اتباعه. وذلك أن الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادلين به، والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: { وهم ينهون عنه } خبرا عنهم، إذ لم يأتنا ما يدل على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على صحة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خبرا عن خاص منهم.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك، يقولون: إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأولين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتباعك. { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يقول: وما يهلكون بصدهم عن سبيل الله وإعراضهم عن تنزيله وكفرهم بربهم إلا أنفسهم لا غيرها، وذلك أنهم يكسبونها بفعلهم ذلك سخط الله وأليم عقابه وما لا قبل لها به. { وما يشعرون } يقول: وما يدرون ما هم مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. والعرب تقول لكل من بعد عن شيء: قد نأي عنه ، فهو ينأي نأيا، ومسموع منهم: نأيتك بمعنى نأيت عنك وأما إذا أرادوا: أبعدتك عني، قالوا: أنأيتك. ومن نأيتك بمعنى نأيت عنك قول الحطيئة:

نأتك أمامة إلا سؤالا

وأبصرت منها بطيف خيالا

[6.27]

نامعلوم صفحہ