1069

وجاء بشرة قد كان منها

على خوف فجاء بها يصيح

وأما القول في تقريبهما ما قربا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبر عباده عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قربا كان عن أمر الله إياهما به ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك، وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أي ذلك كان فلم يقربا ذلك إلا طلب قربة إلى الله إن شاء الله. وأما تأويل قوله: { قال لأقتلنك } فإن معناه: قال الذي لم يتقبل منه قربانه للذي تقبل منه قربانه: لأقتلنك فترك ذكر المتقبل قربانه والمردود عليه قربانه، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته، وكذلك ترك ذكر المقبل قربانه مع قوله: { قال إنما يتقبل الله من المتقين }. وبنحو ما قلنا في ذلك روى الخبر عن ابن عباس: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { قال لاءقتلنك } فقال له أخوه: ما ذنبي { إنما يتقبل الله من المتقين }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { إنما يتقبل الله من المتقين } قال: يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تقبل منك، جئت بقربان مغشوش بأشر ما عندك، وجئت أنا بقربان طيب بخير ما عندي قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني. ويعني بقوله: { من المتقين }: من الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كلفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. وقد قال جماعة من أهل التأويل: المتقون في هذا الموضع الذين اتقوا الشرك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: { إنما يتقبل الله من المتقين } الذين يتقون الشرك.

وقد بينا معنى القربان فيما مضى، وأنه الفعلان من قول القائل: قرب، كما الفرقان: الفعلان من فرق، والعدوان من عدا. وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمتنا كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يعلم المتقبل منها وغير المتقبل فيما ذكر بأكل النار ما تقبل منها وترك النار ما لم يتقبل منها. والقربان في أمتنا: الأعمال الصالحة: من الصلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداء الزكاة المفروضة، ولا سبيل لها إلى العلم في عاجل بالمتقبل منها والمردود. وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟ فقال: يبكيني أني أسمع الله يقول: { إنما يتقبل الله من المتقين }. حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي، قال: ثني سعيد بن عامر، عن همام، عمن ذكره، عن عامر. وقد قال بعضهم: قربان المتقين: الصلاة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليم، عن عدي بن ثابت، قال: كان قربان المتقين: الصلاة.

[5.28]

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل لأقتلنك: والله { لئن بسطت إلي يدك } يقول: مددت إلي يدك { لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك }. يقول: ما أنا بماد يدي إليك { لأقتلك }. وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فعل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله ولا بسط يده إليه بما لم يأذن الله به. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك } لا أنا بمنتصر، ولأمسكن يدي عنك. وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قص الله في كتابه. أن الله عز ذكره فرض عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه. ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مجاهدا يقول في قوله: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } قال مجاهد: كان كتب الله عليهم: إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه. وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إلي يدك لأنه كان حراما عليه من قتل أخيه مثل الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتل حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازم منه ومحاول من قتله، فترك دفعه عن نفسه بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلة، اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك ممكنا، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه من قتله، لم يكن جائزا ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمه. وأما تأويل قوله: { إنى أخاف الله رب العالمين }: فإنى أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك. { رب العالمين } يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك.

[5.29]

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي وإثمك في معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في حديثه عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول: إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك { فتكون من أصحاب النار }. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } قال: بإثم قتلي وإثمك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { إنى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعا. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول: إني أريد أن تبوء بقتلك إياي. { وإثمك } قال: بما كان منك قبل ذلك. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثني عبيد بن سليم، عن الضحاك، قوله: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } قال: أما إثمك، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس، يعني أخاه. وأما إثمه: فقتله أخاه. وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا تأويل قوله: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك }: أي إني أريد أن تبوء بإثم قتلي، فحذف القتل واكتفى بذكر الإثم، إذ كان مفهوما معناه عند المخاطبين به. وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطا، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعا. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: { إني أريد أن تبوء بإثمي }. وأما معنى { وإثمك }: فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جل ثناؤه في أعمال سواه.

وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه، لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله. فإن قال قائل: أو ليس قتل المقتول من بين آدم كان معصية لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظم بها معصية فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه المقتول ويقول: { إني أريد أن تبوء بإثمي } وقد ذكرت أن تأويل ذلك: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ فمعناه: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باء به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول في الخطأ. ويعني بقوله: { فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين } يقول: فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها. { وذلك جزاء الظالمين } يقول: والنار ثواب التاركين طريق الحق الزائلين عن قصد السبيل، المتعدين ما جعل لهم إلى ما لم يجعل لهم. وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد، ولولا ذلك ما قال المقتول للقائل: فتكون من أصحاب النار بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد ذلك. قال: وقال عبد الله بن عمرو: { إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب، عليه شطر عذابهم. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو خبر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفيان، قال: ثنا جرير وأبو معاوية ح، وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع جميعا، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، ذلك بأنه أول من سن القتل "

نامعلوم صفحہ