ارتعد فرونت دي بوف وانكمش حول نفسه، ولكنه سرعان ما استجمع ثباته المعتاد، وصاح قائلا: «من هناك؟ من أنت يا من تجرؤ على ترديد كلماتي بنبرة كنبرة غراب الليل؟ تعال أمام أريكتي كي أستطيع رؤيتك.»
أجاب الصوت: «أنا ملاكك الشرير يا ريجينالد فرونت دي بوف.»
أجاب الفارس المحتضر: «دعني أنظر إليك إذن في شكلك الآدمي، إن كنت بالفعل شيطانا، ولا تظن أنني سأجفل منك. أقسم بالزنزانة الأبدية، لو كان بمقدوري أن أصارع تلك الأهوال التي تحوم حولي، كما صارعت الأخطار البشرية، فإن الجنة أو الجحيم لن يقولا أبدا إنني تقاعست عن الصراع.»
قال الصوت الذي كاد أن يكون غير بشري: «فكر في خطاياك يا ريجينالد فرونت دي بوف، في التمرد، وفي السلب، وفي القتل! من الذي حرض جون الفاسق على محاربة أبيه الذي خط رأسه المشيب وعلى محاربة أخيه الكريم؟»
رد فرونت دي بوف: «سواء أكنت شيطانا أو قسا أو إبليس نفسه، فإنك تقول كذبا! ليس أنا من حرض جون على التمرد، ليس أنا وحدي. أيها الشيطان الكاذب، إنني أتحداك! انصرف، ولا تلازم أريكتي بعد الآن. اتركني أمت في سلام.»
ردد الصوت: «لن تموت في سلام؛ فحتى في موتك ستفكر فيما ارتكبت من جرائم قتل، وفي الأنات التي تردد صداها في جنبات هذه القلعة، وفي الدماء التي اصطبغت بها أرضياتها!»
أجاب فروت دي بوف بضحكة مروعة ومتكلفة: «لا يمكنك أن ترعبني بحقدك الحقير؛ فالطريقة التي تعاملت بها مع اليهودي الكافر هي عمل حسن في نظر السماء، والخنازير الساكسونيون الذين ذبحتهم كانوا أعداء لبلدي. هو! هو! كما ترى ليس ثمة ثقوب في سترتي المدرعة. هل فررت؟ هل أصابك الصمت؟»
رد الصوت: «لا يا قاتل أبيك يا كريه! فكر في أبيك! فكر في موته! فكر في غرفة طعامه وهي مغمورة بدمه، الذي أراقته يد ابنه!»
أجاب البارون بعد صمت طويل: «ها! بما أنك تعلم ذلك فأنت حقا منبع الشر! لقد ظننت أنني احتفظت بهذا السر مكبوتا في صدري وصدر شخص آخر، هو من أغراني، شريكي في الإثم. اذهب واتركني أيها الشيطان! اذهب وابحث عن الساحرة الساكسونية أولريكا؛ فهي وحدها من يستطيع أن يخبرك بما شهدنا أنا وهي وحدنا عليه. أقول لك اذهب إليها؛ فهي من نظفت الجراح وأصلحت وضع الجثة، وأضفت على القتيل مظهر من فارق الحياة في أجله ومات ميتة طبيعية. اذهب إليها؛ فهي من أغواني، هي الفاسقة التي حرضتني على تلك الفعلة. اجعلها تذوق مثلي العذابات التي تسبق عذاب الجحيم!»
قالت أولريكا وهي تخطو أمام أريكة فرونت دي بوف: «إنها تذوقها بالفعل؛ فقد ظلت مدة طويلة تتجرع من هذه الكأس، وأصبحت مرارته الآن حلوة برؤيتك وأنت تشاركني إياها. لا تعض على نواجذك يا فرونت دي بوف، ولا تدر عينيك في محجريهما، ولا تشر لي بيدك بحركة التهديد تلك!»
نامعلوم صفحہ