509

الاتقان فی علوم القرآن

الإتقان في علوم القرآن

ایڈیٹر

محمد أبو الفضل إبراهيم

ناشر

الهيئة المصرية العامة للكتاب

ایڈیشن

١٣٩٤هـ/ ١٩٧٤ م

الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَنَبَأَ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنْوَاعِ اللُّغَاتِ وَالْأَلْسُنِ لِيَتِمَّ إِحَاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَاخْتِيرَ لَهُ مِنْ كُلِّ لُغَةٍ أَعْذَبُهَا وَأَخَفُّهَا وَأَكْثَرُهَا اسْتِعْمَالًا لِلْعَرَبِ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ النَّقِيبِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ: مِنْ خَصَائِصِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِلُغَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهَا شَيْءٌ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ وَالْقُرْآنُ احْتَوَى عَلَى جَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَأُنْزِلَ فِيهِ بِلُغَاتِ غَيْرِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَالْحَبَشَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. انْتَهَى.
وأيضا النبي ﷺ مُرْسَلٌ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابِ الْمَبْعُوثِ بِهِ مِنْ لِسَانِ كُلِّ قَوْمٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ هُوَ.
وَقَدْ رَأَيْتُ الْخُوَيِّيَّ ذَكَرَ لِوُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ فَائِدَةً أُخْرَى فَقَالَ: إِنْ قيل إن " إستبرق " لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَغَيْرُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْعَرَبِيِّ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ فَنَقُولُ: لَوِ اجْتَمَعَ فُصَحَاءُ الْعَالَمِ وَأَرَادُوا أَنْ يَتْرُكُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَيَأْتُوا بِلَفْظٍ يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْفَصَاحَةِ لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَثَّ عِبَادَهُ عَلَى الطَّاعَةِ فَإِنْ لَمْ يُرَغِّبْهُمْ بِالْوَعْدِ الْجَمِيلِ وَيُخَوِّفْهُمْ بِالْعَذَابِ الْوَبِيلِ لَا يَكُونُ حَثُّهُ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ فَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ نَظَرًا إِلَى الْفَصَاحَةِ وَاجِبٌ ثُمَّ إِنَّ الْوَعْدَ بِمَا يَرْغَبُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ وَذَلِكَ مُنْحَصِرٌ فِي أُمُورٍ: الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ ثُمَّ الْمَآكِلِ الشَّهِيَّةِ ثُمَّ الْمَشَارِبِ الْهَنِيَّةِ ثُمَّ الْمَلَابِسِ الرَّفِيعَةِ،

2 / 127