اتحاف الورى في أخبار أم القرى
اتحاف الورى في أخبار أم القرى
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ العلامة الحافظ المؤرخ نجم الدين أبو القاسم محمد- المدعو عمر- بن العلامة الحافظ الرحلة تقى الدين أبى الفضل محمد بن محمد بن أبى الخير محمد بن فهد الهاشمى المكى الشافعى- (رحمه الله تعالى) (1):
الحمد لله الذى جعل الدنيا مضمارا لخلقه، ابتلى فيها أخبارهم، وأحصى آثارهم، وقدر فيها آجالهم، وكتب بها أعمالهم، وجعل الموت غايتهم التى إليها يجأرون، وعنها من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وبين أنهم فى ديوان الانتقال إليه تعالى يشهدون (2) بقوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام إنك ميت وإنهم ميتون (3) أحمده على نعمه الباطنة والظاهرة، وأشكره على حسناته المتكاثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها عنده لألقاها، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير البرية وأتقاها، وأعلاها رتبة عند الله وأذكاها، فهو الذى أزال به عن الأمة عناها، وألهمها رشدها وهداها، صلى الله عليه صلاة لا تتناهى، وعلى آله وأصحابه الكاشفين عن الأمة عماها، الباذلين فى نصرة دينه الهمم التى لا تضاهى. وبعد. فإن
صفحہ 3
علم التاريخ لا شك فى جلالة قدره، وعظم موقعه؛ ينتفع به للاطلاع على حوادث الزمان، وسير الناس وما أبقى الدهر من أخبارهم بعد أن أبادهم، مع أنه عبرة لمن اعتبر، وتنبيه لمن افتكر، واختبار حال من مضى وغبر، وإعلام أن ساكنى (1) الدنيا على سفر، وفى ضبطه بالسنين أمور مهمة وفوائد جمة، لحظها الفاروق والصحابة (2) رضى الله تعالى عنهم عند وضعه (3) التاريخ. وقد رأيت بخط شيخنا الإمام العلامة المؤرخ الكبير تقى الدين أبى العباس أحمد بن على بن عبد القادر المقريزى (4) المصرى- تغمده الله برحمته- فى بعض تعاليقه ما نصه «من أرخ فقد حاسب الأيام عن عمره، ومن كتب حوادث دهره (5) فقد كتب كتابا إلى من بعده بحديث دهره، ومن قيد ما شهد فقد أشهد عصره من لم يكن من أهل عصره؛ فهو يهدى إلى الفضلاء أعمارا، ويبوىء أسماعهم وأبصارهم ديارا ما كانت لهم ديارا.
صفحہ 4
عزنى أن أرى الديار بعينى
ولعلى أرى الديار بسمعى
فسبحان من هو كل يوم فى شأن. انتهى.»
وقد ألف شيخنا السيد الشريف الإمام العلامة الحافظ المؤرخ قاضى المسلمين تقى الدين أبو الطيب محمد بن شيخنا الإمام العلامة/ أقضى القضاة شهاب الدين أبى العباس أحمد بن على بن أبى عبد الله الحسنى الفاسى المكى المالكى (1)- أثابه الله الثواب الجزيل، وكان له بكل خير كفيل- لأخبار بلده مكة المشرفة عدة مؤلفات؛ منها شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، ومختصراته الستة (2)، وكتاب: العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين، ومختصراته الثلاثة (3). وذكر فى أثناء كتبه المذكورة حوادث وأخبارا اتفقت بمكة المشرفة وأعمالها فى الجاهلية والإسلام، أحببت أن أفرد ذلك مرتبا على السنين، مبتدئا من حين مولد النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم) (4)
صفحہ 5
وألحق به كثيرا مما لم يذكره فى مؤلفاته من هذا المعنى، وأذيل عليه إلى زمانى، وأذكر فى كل سنة من مات بها أيضا من الأعيان من أهلها وغيرهم، وكثيرا ممن مات من أهلها بغيرها، وسميت ذلك «إتحاف الورى بأخبار أم القرى (1)» والله المسئول الإعانة والإتمام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، والرضى عن آله وأصحابه الكرام.
*** ذكر (2) تزويج والد رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) عبد الله بن عبد المطلب والدته آمنة بنت وهب.
كان جده (صلى الله تعالى عليه وسلم) عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشى الهاشمى خرج إلى اليمن فى رحلة فلقيه رجل من يهود، فقال: يا عبد المطلب هل لك أن تأذن لى أن أنظر إلى شيئين منك؟ قال: نعم، ما لم تكن عورتى. قال: لست أريد عورتك، إنما أريد أنفك ويديك.
فبسط يديه ونظر فيها فقال: أرى فى إحدى يديك وفى أنفك نبوة، ولا يتم ذلك إلا ببنى زهرة، يا عبد المطلب، هل لك من شاعة؟- والشاعة : الزوجة- قال: لا. قال: يا عبد المطلب
صفحہ 6
تزوج فى بنى زهرة. فرجع فتزوج هالة بنت وهب (1)، وزوج ابنه عبد الله أبا رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) آمنة بنت وهب، فرجح عبد الله على عبد المطلب.
وكان عبد المطلب قد نذر حين لقى من قريش ما لقى: لئن ولد له عشرة نفر ثم عاشوا حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عز وجل عند الكعبة. فلما تموا عشرة، وهم: الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، والعباس، وأبو لهب، وحمزة، وأبو طالب، وعبد الله؛ وعلم أنهم/ سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذى نذر، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى بذلك، فأطاعوا له، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحا فيكتب فيه اسمه ثم أتونى به. ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل- وكان أعظم أصنامهم- وقال لقيم الصنم: اضرب بقداح هؤلاء، وكان عبد الله بن عبد المطلب- أبو النبى (صلى الله تعالى عليه وسلم)- أصغر ولد أبيه، وكان أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى لا يخرج القدح على عبد الله. ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل به إلى إساف ونائلة؛ الوثنين اللذين تنحر قريش عندهما ذبائحهم. ليذبحه بها، فقام إليه قريش من أنديتها وقالوا: ما تريد أن تصنع يا عبد المطلب؟! قال: أذبحه-
صفحہ 7
ويقال إن العباس بن عبد المطلب اجتره من تحت رجل أبيه حتى خدش وجه عبد الله خدشا لم يزل فى وجهه حتى مات- فقالت قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدا ونحن أحياء حتى تعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل (1) منا يأتى بابنه (1) حتى يذبحه، فما بقاء الناس على ذلك! وقال المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- وكان عبد الله بن عبد المطلب ابن أخت القوم-: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا. فقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة يقال لها سجاح، لها تابع فسلها، ثم أنت على رأس أمرك. فقال: نعم. فانطلقوا حتى جاءوها وهى- فيما يزعمون- بخيبر، فسألوها فقالت: ارجعوا عنى اليوم حتى يأتينى تابعى فأسأله. فخرج عبد المطلب يدعوا لله تعالى، ثم غدوا عليها فقالت: نعم قد جاءنى تابعى بالخبر؛ فكم الدية فيكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل- وكانت كذلك- قالت:
فارجعوا إلى بلادكم فقدموا صاحبكم وقدموا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، فإذا خرجت القداح على الإبل فقد رضى ربكم فانحروها ونجا صاحبكم. فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما أجمعوا على ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم
صفحہ 8
قربوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرجت على عبد الله، فلم يزالوا على هذا إلى أن جعلوها مائة، فخرج القدح على الإبل؛ فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضاء ربك، وخلص لك ابنك/.
فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليه وعليها ثلاث مرات.
فضربوا فخرج القدح على الإبل فى المرات الثلاث، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد ابنه عبد الله، فمر به على امرأة من بنى أسد يقال لها أم قتال بنت نوفل ابن أسد بن عبد العزى (1)، وهى أخت ورقة بن نوفل- وهى عند الكعبة- فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ فقال: مع أبى. قالت: لك عندى مثل الإبل التى نحرت عنك وقع على الآن. فقال لها: إنى مع أبى الآن لا أستطيع خلافه ولا فراقه، ولا أريد أن أعصيه شيئا. فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- وهو يومئذ سيد بنى زهرة نسبا وشرفا- فزوجه ابنته آمنة، وهى يومئذ أفضل امرأة فى قريش نسبا وموضعا، فدخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التى كانت عرضت عليه نفسها- وهى فى مجلسها- فجلس إليها فقال لها:
ما لك لا تعرضين على اليوم ما كنت عرضته على بالأمس- أو مثل ما عرضت على بالأمس-؟ فقالت له: فارقك النور الذى كان
صفحہ 9
معك بالأمس، فليس لى بك اليوم حاجة. وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل- وكان قد تنصر واتبع الكتب- إنه لكائن فى هذه الأمة نبى من بنى إسماعيل. فقالت فى ذلك شعرا:
الآن قد ضيعت ما كنت قادرا
عليه وفارقك النور الذى كان حابكا
غدوت على حافلا قد بذلته
هناك لغيرى فالحقن بشانكا
ولا (1) تحسبنى اليوم خلوا وليتنى
أصبت حبيبا منك يا عبد داركا
ولكن ذاكم صار فى آل زهرة
به يدعم الله البرية ناسكا
وقالت أيضا:
عليك بآل زهرة حيث كانوا
وآمنة التى حملت غلاما
ترى المهدى حين نزا عليها (2)
ونورا قد تقدمه إماما (3)
وذكرت أبياتا وقالت فيها:
فكل الخلق يرجوه جميعا
يسود الناس مهتديا إماما
براه الله من نور صفاه
فأذهب نوره عنا الظلاما/
وذلك صنع ربك إذ حباه
إذا ما سار يوما أو أقاما
فيهدى أهل مكة بعد كفر
ويفرض بعد ذلكم القياما (4)
ويقال إن المرأة التى عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب هى فاطمة بنت مر الخثعمية، وذلك أن عبد المطلب خرج
صفحہ 10
بابنه عبد الله ليزوجه، فمر به على كاهنة من أهل تبالة (1) متهودة قد قرأت أكثر الكتب، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، وكانت من أجمل الناس وأعفهم (2)، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدثون إليها، فرأت نور النبوة فى وجه عبد الله، فقالت له:
يافتى، من أنت؟ فأخبرها، قالت فهل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال:-
أما الحرام فالممات دونه
والحل لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه (3)
ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب، فأقام عندها ثلاثا، ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأتاها فلم ير من الإقبال عليه ما رأى منها أولا، فقال: هل لك فيما قلت لى ؟ فقالت: قد كان ذلك مرة واليوم لا. فذهبت مثلا، قالت: أى شىء صنعت بعدى؟ قال زوجنى أبى آمنة بنت وهب. فقالت: إنى والله لست بصاحبة ريبة ولكنى رأيت نور النبوة فى وجهك، فأردت أن يكون ذلك لى، وأبى الله إلا أن يجعله خيث أحب.
صفحہ 11
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطلب وتأبيه عليها فذكروا ذلك، فأنشأت تقول:
إنى رأيت مخيلة لمعت
فتلألأت بحناتم (1) القطر
فلمأتها (2) نورا يضىء به
ما حوله كإضاءة الفجر
فرجوتها فخرا أبوء به
ما كل قادح زنده يورى
لله ما زهرية سلبت
منك الذى استلبت وما تدرى (3)
وقالت أيضا:
بنى هاشم قد غادرت من أخي
كم أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح عند خموده
فتائل قد ميهت (4) له بدهان
وما كل ما يحوى الفتى من تلاده
لحزم ولا ما فاته لتوان/
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه
سيكفيكه جدان يصطرعان
فلما قضت منه أمينة ما قضت
نبا بصرى عنه وكل لسانى (5)
وقيل أن عبد الله بن عبد المطلب حين مر بالخثعمية كان متزوجا بأمنة بنت وهب؛ وذلك أن عبد الله كان فى بناء له، فأقبل
صفحہ 12