کتاب الاستغاثہ

ابن تيمية d. 728 AH
193

وقد بينا في غير هذا الموضع أن هؤلاء الذين يقولون بقدم العالم وصدوره عن موجب بذاته هو علة تامة حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بلا محدث أصلا وأن حركة الفلك الحادثة شيئا بعد شيء ليس لها محدث أصلا وهم يقولون إنه متحرك حركة شوقية بقولهم في حركته من جنس قول القدرية في حركة الحيوان والقدرية أخرجوا فعل الحيوان أن يكون مخلوقا لله عز وجل وأثبتوا حادثا لا محدث له وهؤلاء الصابئة والفلاسفة أخرجوا حركة الفلك وجميع الحادثات من أفعال الحيوان وغيرها عن أن تكون مخلوقة لله تعالى وأثبتوا هذه الحوادث بلا محدث

والناس ردوا على القدرية وقالوا إرادة العبد حادثة بعد أن لم تكن فلا بد لها من محدث وإذا قيل إن العبد أحدثها بلا إرادة لزم وقوع الحوادث من المختار بلا إرادة وإن قيل بإرادة فالقول فيها كالقول في الأولى وهؤلاء القدرية قالوا إرادة الرب يحدثها لا في محل بلا إرادة منه كما قال ذلك البصريون من المعتزلة وقالوا إرادة العبد يحدثها في نفسه بلا إرادة منه وكلاهما ممتنع

ثم يقال لهم حدوثها بعد أن لم تكن حادثة أمر حادث فلا بد له من محدث وقد يقال الإرادة أمر ممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح تام والمحدث والمرجح إن كان من العبد فالقول في حدوثه كالقول في الأول وذلك يستلزم التسلسل في أفعال العباد وأفعال العباد لها أول فيمتنع التسلسل فيها فلزم أن يكون المحدث المرجح لها خارجا عن العبد وكل ما يذكر سوى الرب تعالى منته إليه والمحدث المرجح هو الله تعالى

صفحہ 512