454
فتنة المسيح الدجال
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو أعطائي معلومات كافية عن الدجال؟ وما هي فتنته؟ وكيفية النجاة منها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
*معنى المسيح:
ذكر العلماء ما يزيد عن خمسين قولًا في معنى " المسيح ". وقالوا أن هذا اللفظ يطلق على الصدّيق وعلى الضلّيل الكذاب، فالمسيح عسى ابن مريم الصدّيق، مسيح الهدى، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي الموتى بإذن الله.
والمسيح الدجال هو الضلّيل الكذاب، مسيح الضلالة يفتن الناس بما يعطاه من الآيات كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات وغيرهما من الخوارق.
فخلق الله المسيحين أحدهما ضد الآخر.
وقال العلماء في سبب تسمية الدجال بالمسيح: أن إحدى عينيه ممسوحة، وقيل: لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا.. والقول الأول هو الراجح، لما جاء في الحديث الذي رواه مسلم برقم ٥٢٢١ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ.. ".
*معنى الدجال:
الدَّجل: هو الخلط والتلبيس، يقال دَجَلَ إذا لبّس ومَوَّهَ، والدجال: المُمَوِّه الكذاب، الذي يُكثِر من الكذب والتلبيس.
ولفظة " الدجال " أصبحت عَلَمًَا على المسيح الأعور الكذاب، وسمي الدجال دجالًا: لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم.
*صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك:
الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة. نسأل الله العافية.
ومن هذه الصفات:
أنه رجل شاب أحمر، قصير، أفحج جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة - منتفخة وبارزة - ولا جحراء - غائرة - كأنها عنبة طافئة.
وعينه اليسرى عليها ظفرة - لحمة تنبت عند المآقي - غليظة. ومكتوب بين عينيه " ك ف ر " بالحروف المقطعة، أو " كافر " بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم، كاتب وغير كاتب.
ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له.
وهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها ذكر صفاته السابقة وهي من الأدلة على ظهور الدجال:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ قُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ " رواه البخاري برقم ٦٥٠٨، وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.
٢- وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: " إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ.. " رواه البخاري برقم ٣١٨٤.
٣- وفي الحديث الطويل الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: " ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ.. " فقال في وصف الدجال: " إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ - شديد جعودة الشعر- عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٨.
٤- وعن عبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله ﷺ: " إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنْ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ وَلا حَجْرَاءَ فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ " رواه أبو داود برقم ٣٧٦٣، والحديث صحيح (صحيح الجامع الصغير / حديث رقم ٢٤٥٥) .
٥- وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ".. وَأَمَّا مَسِيحُ الضَّلالَةِ فَإِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ أَجْلَى الْجَبْهَةِ عَرِيضُ النَّحْرِ فِيهِ دَفَأٌ - إنحناء -.. " رواه أحمد برقم ٧٥٦٤.
٦- وفي حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول اله ﷺ: " الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ - كَثِيرُهُ - مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٢.
٧- وفي حديث أنس ﵁: قال النبي ﷺ: " مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ أَلا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ " رواه البخاري برقم ٦٥٩٨، وفي رواية: " وَمَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر " مسلم برقم ٥٢١٩، وفي رواية عن حذيفة: " يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ " مسلم برقم ٥٢٢٣.
وهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها، ولا يشكل رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها " وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة / ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين بصيرته ولا يراه الكافر فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلّم، لأن ذلك الزمن تنخرق فيه العادات " فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٣ / ١٠٠) .
ومختصر الجواب عن الإشكال أنّ الله على كلّ شيء قدير فهو قادر على أن يري هذه الكتابة بعض الناس دون بعض وقادر على أن يجعل الأمّي يقرؤها.
قال النووي: " الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله يظهرها الله لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك " شرح النووي لصحيح مسلم (١٨ / ٦٠) .
٨- ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجسّاسة، وفيه قال تميم الداري ﵁: " فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا " رواه مسلم برقم ٥٢٣٥.
٩- وفتنته عظيمة جدا لدرجة أنه ليس بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أكبر من فتنة المسيح الدجال كما جاء وفي حديث عمران بن حصين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنْ الدَّجَّالِ " رواه مسلم برقم ٥٢٣٩. وفي رواية أحمد عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ فِتْنَةٌ أَكْبَرُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. مسند الإمام أحمد ١٥٨٣١
١٠- وأمّا أن الدجال لا يُولَدُ له فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: " أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ؟ قَالَ قُلْتُ: بَلَى.. " رواه مسلم برقم ٥٢٠٩.
والملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصف عينه اليمنى بالعور وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وقد جمع بعض أهل العلم بين هذه الروايات، فقال القاضي عياض: " أن عيني الدجال كلتيهما معيبة، لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين اليمنى هي العين المطموسة والممسوحة، العوراء الطافئة - بالهمز- التي ذهب نورها كما في حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى: التي عليها ظفرة غليظة وطافية - بلا همز - معيبة أيضًا ". فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منها عوراء أي معيبة، فإن الأعور من كل شيء المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، فكلتا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابهما والأخرى بعيبها.
ووافق القاضي عياض على هذا الجمع النووي، ورجحه القرطبي.
*مكان خروج الدجال:
يخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان، ثم يسير في الأرض فلا يترك بلدًا إلا دخله، إلا مكة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما لأن الملائكة تحرسهما.
ففي حديث فاطمة بنت قيس أن النبي ﷺ قال في الدجال: " أَلا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٨.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ قال: " الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ " رواه الترمذي برقم ٢١٦٣. صححه الألباني (صحيح الجامع الصغير / حديث رقم ٣٣٩٨) .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ " رواه أحمد برقم ١٢٨٦٥.
الأماكن التي لا يدخلها الدجال:
حرم على الدجال دخول مكة والمدينة حين يخرج في آخر الزمان، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأما ما سوى ذلك من البلدان فإن الدجال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.
جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدجّال قال: " وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ فَلا أَدَعَ قَرْيَةً إِلا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا " رواه مسلم برقم ٥٢٢٨.
وثبت أيضًا أن الدجال لا يدخل مسجد الطور، والمسجد الأقصى. روى الإمام أحمد برقم ٢٢٥٧٢ من حديث جنادة بن أبي أمية الأزدي قال: أتيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فقلت له: حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّجَّالِ، فذكر الحديث وقال: " وَإِنَّهُ يَلْبَثُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلا أَرْبَعَ مَسَاجِدَ مَسْجِدَ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالطُّورِ وَمَسْجِدَ الأَقْصَى ".
أتْباع الدجال:
أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس غالبهم الأعراب والنساء.
روى الإمام مسلم في صحيحه برقم ٥٢٣٧ عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَةُ " والطيالسة: كساء غليظ مخطط. وفي رواية للإمام أحمد: " سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ التِّيجَانُ " حديث رقم ١٢٨٦٥.
وجاء في حديث أبي بكر السابق: " يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ " رواه الترمذي برقم ٢١٣٦.
وأما كون الأعراب يتبعون الدجال، فلأن الجهل غالب عليهم، أما النساء لسرعة تأثرهن وغلبة الجهل عليهن. جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ: " يَنْزِلُ الدَّجَّالُ فِي هَذِهِ السَّبَخَةِ بِمَرِّقَنَاةَ - وادٍ بالمدينة - فَيَكُونُ أَكْثَرَ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْجِعُ إِلَى حَمِيمِهِ وَإِلَى أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ فَيُوثِقُهَا رِبَاطًا مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ " رواه أحمد برقم ٥٠٩٩.
فتنة الدجال:
فتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول وتحير الألباب.
فقد ورد أن معه جنة ونارًا، جنته ناره وناره جنته، وأن معه أنهار الماء وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث استدبرته الريح، إلى غير ذلك من الخوارق. وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة. روى الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ - كَثِيرُهُ - مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٢.
ولمسلم أيضًا عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لأنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ: مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٣.
وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدجال: أن الصحابة قالوا: " يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ " ".. قالوا: وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ - الماشية - أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا - الأعالي والأسنمة - وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ - كناية عن الامتلاء وكثرة الأكل -. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ " رواه مسلم برقم ٥٢٢٨.
وجاء في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن هذا الرجل الذي يقتله الدجال من خيار الناس أو خير الناس، يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله ﷺ فيقول للدجال: " أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ لا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ " البخاري برقم ٦٥٩٩.
وفي حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال النبي ﷺ عن الدجال: " وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لأَعْرَابِيٍّ أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولانِ يَا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ " رواه ابن ماجه برقم ٤٠٦٧. وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير / حديث رقم ٧٧٥٢) .
نسأل الله العافية ونعوذ به من الفتن..
الوقاية من فتنة الدجال:
أرشد النبي ﷺ أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدجال، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. فلم يدع خيرًا إلا دل أمته عليه ولا شرًا إلا حذرها منه، ومن جملة ما حذّر منه: فتنة المسيح الدجال لأنها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام الساعة، وكان كل نبي ينذر أمته الأعور الدجال، واختص محمد ﷺ بزيادة التحذير والإنذار، وقد بين الله له كثيرًا من صفات الدجال ليُحذِّرَ أمته فإنه خارج في هذه الأمة لا محالة، لأنها آخر الأمم ومحمد ﷺ خاتم النبيين. وهذه بعض الإرشادات النبوية التي أرشد إليها المصطفى ﷺ أمته لتنجو من هذه الفتنة العظيمة التي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:
التمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى التي لا يشاركه فيها أحد، فيعلم أن الدجال بشر يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، وأن الدجال أعور والله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه حتى يموت والدجال يراه الناس عند خروجه مؤمنهم وكافرهم.
التعوذ من فتنة الدجال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، منها ما روي عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ " رواه البخاري برقم ٧٨٩.
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ " رواه مسلم برقم ٩٢٤.
حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي ﷺ بقراءة فواتح سورة الكهف على الدجال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان الطويل، وفيه قوله: " فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ " حديث رقم ٥٢٢٨.
وروى مسلم برقم ١٣٤٢ عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ مِنْ الدَّجَّالِ " أي: من فتنته، قال مسلم: قال شعبة: " مِنْ آخِرِ الْكَهْفِ وقَالَ هَمَّامٌ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف ".
قال النووي: " سَبَب ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلهَا مِنْ الْعَجَائِب وَالآيَات، فَمَنْ تَدَبَّرَهَا لَمْ يُفْتَتَن بِالدَّجَّالِ، وَكَذَا فِي آخِرهَا قَوْله تَعَالَى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا..) " شرح صحيح مسلم ٦ / ٩٣.
وهذا من خصوصيات سورة الكهف فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُوْرَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ الْنُّوْرِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " المستدرك (٢ / ٣٦٨)، وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير / حديث رقم ٦٣٤٦) .
ولا شك أن سورة الكهف لها شأن عظيم، ففيها من الآيات الباهرات كقصة أصحاب الكهف وقصة موسى مع الخضر وقصة ذي القرنين وبناءه للسد العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وترديدها وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة.
الفرار من الدجال والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكة والمدينة، والأماكن التي لا يدخلها الدجال، فينبغي للمسلم إذا خرج الدجال أن يبتعد منه وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس، فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبع الدجال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.
روى الإمام أحمد (١٩١١٨) وأبو داود (٣٧٦٢) والحاكم (٤/٥٣١) عن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ - يبتعد - مِنْهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ يَتَّبِعُهُ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ بِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ ".
* هلاك الدجال:
يكون هلاك الدجال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك الدجال يظهر على الأرض ويكثر أتباعه وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين. وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم ﵇ على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤمنين، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدجال، ويكون الدجال عند نزول عيسى ﵇ متوجهًا نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب " لُد " - بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس -، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له عيسى ﵇: " إن لي فيك ربة لن تفوتني " فيتداركه عيسى فيقتله بحربته، وينهزم اتباعه فيتبعهم المؤمنون فيقتلونهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.
وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدجال وأتباعه:
روى مسلم برقم ٥٢٣٣ عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ.. " فذكر الحديث، وفيه: " فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ ".
وروى الإمام أحمد برقم ١٤٩٢٠ والترمذي برقم ٢١٧٠ عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ ".
وروى مسلم برقم ٥٢٢٨ عن النواس بن سمعان ﵁ حديثًا طويلًا عن الدجال، وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال، وفيه قوله ﷺ: " فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ "
وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: " قال رسول الله ﷺ: " يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي خَفْقَةٍ مِنْ الدِّينِ وَإِدْبَارٍ مِنْ الْعِلْمِ " فذكر الحديث وفيه: " ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيُنَادِي مِنْ السَّحَرِ فَيَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى الْكَذَّابِ الْخَبِيثِ فَيَقُولُونَ هَذَا رَجُلٌ جِنِّيٌّ فَيَنْطَلِقُونَ فَإِذَا هُمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ فَتُقَامُ الصَّلاةُ فَيُقَالُ لَهُ تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَيَقُولُ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ فَإِذَا صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ خَرَجُوا إِلَيْهِ قَالَ فَحِينَ يَرَى الْكَذَّابُ يَنْمَاثُ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ فَيَمْشِي إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ وَالْحَجَرَ يُنَادِي يَا رُوحَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ فَلا يَتْرُكُ مِمَّنْ كَانَ يَتْبَعُهُ أَحَدًا إِلا قَتَلَهُ " حديث رقم ١٤٤٢٦.
وبقتله - لعنه الله - تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم ﵇ وأتباعه المؤمنين ولله الحمد والمنة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد

1 / 453