الإرشاد
الإرشاد إلى نجاة العباد للعنسي
وروي أن المنتصر لما قتل أباه كان يطوف على الخزائن، فإذا بكتاب في خزانة، فنظر فيه فإذا أوله: المقادير تريك ما لم يخطر على بال. فقال ذات يوم: نريد غدا أن نتفرج، وكان لهم بساط يبسطونه فيه جامات، في كل جام ذكر ملك من ملوك الفرس، وكم ملك، وكم بقي في مملكته، قال: فنصب له كرسي، فرمى بطرفه إلى جام من تلك الجامات فساءه فتبين لأصحابه منه الكراهة، ثم وثب فقام، ولم يدر ما سببه، فنظروا فإذا هو قد وقعت عيناه على جام مكتوب فيه: شيرويه بن كسري قاتل أبيه، ملكك بعده ستة اشهر فكان ملك المنتصر ستة اشهر.
فانظر رحمك الله إلى اغتمامه بما رأى، وقلة اعتباره، وانه ما دعاه ذلك إلى التوبة، وليس ذلك إلا لاستحكام دائه، حتى أورده إلى شقائه.
ومن موانع التوبة كثرة الجهل، وترك العلم، حتى لا يدري بمضرة الذنب، ولو عرف مضرته لا يعرف كيفية المخرج منه، فإن من لا يعرف الداء ولا يدري بمضرته لا يطلب الدواء ولو عرف منفعته، وكذلك فإن من يجهل الدواء وكيفيته لا ينفعه علمه بالداء، ولا يجلب صحته، ومن هاهنا يموت أكثر هذا الخلق على غير توبة، لجهلهم وقلة تمييزهم بين دائهم ودوائهم، وهو موت العامة الذين شبههم الله بالأنعام، ثم قال: {بل هم أضل سبيلا}(1)،
ومن موانع التوبة للعارفين وجهان
أحدهما: إغفال النظر في أكثر الأوقات للحساب والجزاء، وقلة التفكر في الموت، والمصير إلى القبر وضيقه ووحشته، وما يجري فيه، فإن ذلك هو دواعي التوبة، كما أن من لم يخطر بباله ما يؤول إليه من أدوائه من مضرته، ونفرة النفس عنه، وأجناس ذلك في أكثر أوقاته لا يشتغل بمداواته.
والوجه الثاني:التسويف للتوبة وتأخيرها فإن ذلك يؤدي إلى انتشار الداء في جسده، واستحكامه في بدنه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى عقيب هذا.
فهذا طرف من موانع التوبة، وهذا يدلك على ما بقي متى تأملت حقيقة التأمل.
صفحہ 336