فقال الباشكاتب: «سمعا وطاعة أفندم. وقد كتبت بأمر مولانا إلى ناظم بك بهذا المعنى أمس.»
فقطع كلامه قائلا: «اكتب أيضا وقل له أن يجرد السيف ويقطع الرقاب ويقتل ويفتك.» قال ذلك وهو ينتفض. وتزحزح من مقعده فنهض الباشكاتب والسر خفية واستأذنا في الانصراف، فأذن للباشكاتب واستبقى السر خفية.
وبعد خروج الباشكاتب ظل السلطان مطرقا دقيقة ريثما هدأ روعه، ثم خاطب السر خفية قائلا: «كيف ترى تحسينا الباشكاتب؟»
قال: «أراه مخلصا يا مولاي.»
فتنهد تنهدا طويلا فهم منه السر خفية ألف معنى، وهو يعلم سوء ظن عبد الحميد بكل أحد، ثم قال: «هب أنه غير مخلص فإني لا أغفل عن كشف أسراره، وقد خصصت له جاسوسا من أنبه رجالي لاستطلاع حقيقته.»
فقال: «أما وقد فهمت مرادي فكفى، إني لا أثق بأحد سواك.» وأحس السر خفية أنه قد آن وقت انصرافه فاستأذن وخرج. •••
نهض عبد الحميد ومشى والغضب ظاهر في وجهه حتى دخل غرفة الكتابة، وفيها كرسي ونضد من الزجاج اصطنعهما للجلوس عليهما إذا تكهرب الجو وخاف وقوع الصواعق، لأن الزجاج لا يوصل الكهرباء. فجلس على الكرسي لحظة بغير تعمد، ثم نهض وتحول نحو منضدة عليها أوراق في محفظة فتذكر التقرير الذي أتاه من الشام، فهرع إلى غرفة المائدة وأخذه وأضافه إلى ألوف التقارير التي ذكرناها في خزائن الدهليز. وكأنه تعب من شدة القلق فتوسد مقعدا من المقاعد التي ينام عليها واستغرق في الأفكار ثم جعل يناجي نفسه قائلا: «تبا لكم من خونة! إنكم لا تخدمون عبد الحميد إلا بالمال، حتى السر خفية نفسه لا يخلص لي وإنما يداهنني رغبة في المال، وأنا أخادعه وأغريه بالآخرين ليطلعني على أسرارهم، وأغريهم به ليطلعوني على سره. لا أخاف غدر هؤلاء وهم بالقرب مني، لأني أملأ قلوبهم بالوعود وجيوبهم بالأموال وأجعل بعضهم على بعض جواسيس، وأقيم السراري عيونا عليهم أجمعين ... إن عبد الحميد أدهى منكم جميعا، فمن شككت فيه قتلته سرا أو جهرا. وإنما أخاف البعيدين الذين يتعذر التجسس على أعمالهم، ولكنني قاهرهم. وهذا الملك لا يخرج من يدي، ولن يخرج إلا إلى بعض أبنائي، أنا السلطان عبد الحميد، أنا وحدي الآمر الناهي، أنا وحدي مالك الرقاب.»
وسكت هنيهة متشاغلا بتأمل رقاص الساعة وهو يتحرك يمنة ويسرة، وأخذ يراجع في ذاكرته ما دار بينه وبين السر خفية، حتى إذا وصل إلى ما دار بينهما بشأن العرب عاد إلى مناجاة نفسه قائلا: «إن السر خفية قلل من أهمية العرب في نظري وظنني صدقته، ولكنني خدعته بسكوتي لئلا أريه مقدار خوفي من أبناء العرب، هل أنسى ما رماني به غانم والكواكبي وأرسلان وغيرهم، وما أنشئوه من الصحف في مصر وباريس وجنيف؟ آه منهم! إني أخافهم لأنهم أكثر عددا في مملكتي من سائر العناصر، وفيهم كتاب في أكثر اللغات الإفرنجية، وهم يكتبون في جرائد أوروبا ويجتمعون بدول أوروبا، ولا يسهل علينا إسكاتهم، هذا شأن المسيحيين منهم، فهم لا يقلون أهمية في نظري عن الأرمن الملاعين. على أن هؤلاء قد سحقتهم وقتلتهم وسبيلي إليهم سهل، وأما العرب فالمسيحيون منهم تحميهم الدول، أما المسلمون فإنهم أصل الإسلام ومادته، ولا يزالون حتى الساعة ينكرون علينا حق الخلافة لأننا غير عرب، فكيف لا نخشى بأسهم؟ إن هؤلاء المتملقين يموهون الحقائق، غير عالمين أني أموه عليهم وأظهر أني صدقتهم، ولولا ذلك ما قربت عزت وأبا الهدى وغيرهما من المشايخ الذين يتوهمون أنهم يخدعونني، وما يخدعون إلا أنفسهم.»
وتنحنح ومد يده إلى علبة السيكار فأشعل سيكارا وعاد إلى المناجاة قائلا: «هم يحسبون أنهم يحتالون في التقرب منى ليكتسبوا المال والجاه، وأنا لا غنى لي عنهم لتوازن الأحزاب والعناصر، ولكني مع ذلك أخافهم ولا أثق بهم.»
ثم خطر له أن يطلب الرقاد في سريره فنهض ومشى إلى غرفة النوم، فمر بالحجرة التي تستطرق إلى دار الحريم من باب كله مرآة وهم بفتحه، فوقع نظره على صورته فيه فوقف يتأمل سحنته ويصلح من شأنه. وكان شديد الرغبة في مظاهر الشباب، يستخدم في ذلك الخضاب والتزجيج والتخطيط، وكان لرغبته في الحياة ينكر على نفسه الاقتراب من الشيخوخة ويلتمس تعليلا لما في وجهه من غضون حتى لا يعترف بأنه صار شيخا.
نامعلوم صفحہ