ودعوى الامتياز الفطري بالحكم الحر أضعف من دعوى الامتياز الفطري بطلب المعرفة حبا للمعرفة.
فالشائع على الألسنة أن التقدم العقلي ألهم اليونان أن يختاروا الحكومة الديمقراطية - أي الحكومة الشعبية - من كلمة ديموس، بمعنى الشعب في اللغة اليونانية القديمة.
وهذا خطأ من جميع أطرافه؛ فإن الحكم الذي سمي بالديمقراطي أو النيابي لأنه يجري بالانتخاب لم يبتدئ في أثينا، حيث يتكلم الفلاسفة ويتذاكرون، بل كان مبدؤه في «أسبرطة» العملية التي تختار النظام؛ لأنه أيسر تطبيقا وأنفع عملا، وتتبع هذه السنة في اختيار كل خطة تنتظم بها الإجراءات، ويمتنع بها الشغب والنزاع.
وكلمة «ديمقراطية» لم تؤخذ من حكم الشعب، ولكنها أخذت من كلمة «ديموس» بمعنى المحلة التي تقيم بها القبيلة، ثم استعيرت للقبيلة نفسها وللحكومة التي تشترك فيها القبائل.
وقد كان الانتخاب في أثينا القديمة مسألة «إجراءات» كما كان في أسبرطة من قبلها، ولم يحدث قط أن أحدا نال حق الانتخاب لأنه حق إنساني تناط به التبعات والواجبات، وإنما كانت الطوائف تناله واحدة بعد أخرى كلما اضطرت الدولة إلى الاستعانة بها في القتال، فلم تنله طائفة الملاحين مثلا إلا بعد ثبوت الحاجة إليهم في الحروب البحرية بعد وقعة سلاميس.
ويصدق هذا القول على الديمقراطية الغربية كلها بعد الديمقراطية اليونانية القديمة بأكثر من عشرين قرنا؛ فإن عمال الصناعة نالوه بعد عمال الزراعة؛ لأن عمال الصناعة ألزم للدولة من غيرهم في معامل الذخيرة والسلاح، وأقدر على المطالبة والإضراب، ولم تنل المرأة حق الانتخاب إلا بعد ثبوت الحاجة إليها في تلك المعامل مع إلحاح الطلب على المجندين من الرجال، ولم يصل الزنوج الأمريكيون إلى تطبيق هذا الحق فعلا إلا بعد الحرب العالمية الثانية التي اشتركوا فيها مقاتلين كما اشتركوا فيها صناعا للذخيرة والسلاح.
أما حكم الشورى الذي هو تكليف إنساني منوط بحقوق المساواة وتبعات الحكام والمحكومين، فلم ينشأ في اليونان ولا في أمة غربية، بل نشأ في الإسلام في الجزيرة العربية، ولم تسبقه إليه ملة ولا دعوة فكرية. •••
ونأتي بعد بيان الحقيقة في امتياز المعرفة وامتياز الحكم إلى موضوع هذا الكتاب، وهو «قوة الشر » ومكانها من الإله الأكبر أو من نظام الوجود.
ففي الحضارات الشرقية التي أجملنا القول فيها رأينا أن «قوة الشر» مغضوب عليها؛ لأنها تضر وتفسد وتدس الغواية على الإنسان. وخلاصة المعايير الأخلاقية هنا أن القيم الصالحة في جانب الإله، والقيم الفاسدة أو الخبيثة في جانب «قوة الشر» أو الشيطان.
لكن الأمر ينقلب تماما في معايير الأرباب اليونانيين؛ لأن «برومثيوس» الذي ينصب عليه غضب الأرباب وكبيرهم زيوس هو المعلم الذي هدى الإنسان إلى سر النار، وألهمه السعي في طلب البقاء، وبصره بالمجهول من خفايا الكون الذي يعيش فيه، وتمثله الأساطير على قسط وافر من الفطنة يغار منه رب الأرباب، ويخيل إليه من أجل ذلك أنه يتعالم عليه.
نامعلوم صفحہ