يحتاج النقاد التاريخيون إلى تحرير موازينهم جميعا قبل الاطمئنان إلى رأي صحيح في أي شأن من الشئون السياسية التي قامت عليها حضارة اليونان.
ذلك بأن الناقد التاريخي سيرى بين يديه تاريخين غير متفقين في بعض الأصول، وفي كثير من التفصيلات: تاريخ الأمة اليونانية الحقيقية، وتاريخ الأمة اليونانية التي جعلها الأوروبيون المحدثون عنوانا للفضائل الغربية في مسائل العلم والفن والسياسة والأخلاق، كلما أرادوا أن يضعوا أنفسهم موضع المناظرة والموازنة أمام الشرقيين فيما قدروه لهم من نصيب في هذه المطالب وهذه المزايا.
وبلغ من رغبة الأوروبيين في ترجيح الغرب كله باسم اليونان أن فريقا منهم تنكر للمسيحية؛ لأنها ثمرة شرقية، وفريقا منهم زعم أن المسيحية ثمرة الفكرة اليونانية من طريق بولس الرسول وجماعة الفلاسفة المسيحيين، الذين طبقوا الدين على الفلسفة بعد القرن الأول للميلاد، وذكروا من براهينهم على ذلك أن الأناجيل كتبت باللغة اليونانية، وأن كلمة الإنجيل نفسها بمعنى البشارة من لغة اليونان.
وقد عمد الغرب إلى هذا الاستغلال التاريخي لتراث اليونان؛ لأنه احتاج إليه لتدعيم دعوى السيادة والرجحان على أمم الشرق في عصر الاستعمار، فاتخذ من تعظيم اليونان وسيلة إلى تحقير الشرقيين واستباحة السيطرة عليهم؛ بدعوى الوصاية الطبيعية التي تخول المتقدمين من بني آدم أمانة الإشراف على تعليم المتأخرين.
إن أمة اليونان الحقيقية غير هذه الأمة «المصنوعة» التي احتال بها الغربيون في عصر الاستعمار على خدمة السياسة، وخدمة العصبية، ومرضاة الغرور الذي يساور «الغربي» في مقام المفاخرة وإن لم يكن من خدام الاستعمار.
وليس من المنصفين من يبخس لهذه الأمة الحقيقية فضلا في تاريخ الثقافة الإنسانية، فمما لا نزاع فيه أن نصيبها في هذه الثقافة لا يعلوه نصيب، ولا حاجة بها معه إلى انتحال الدعوى واغتصاب الفخار بغير دليل، وحسبها أنها أخرجت للعالم سقراط وأفلاطون وأرسطو في ثلاثة أجيال متعاقبة مع من أخرجتهم من الحكماء السابقين واللاحقين، وأنها تعد من شعرائها، أمثال: هوميروس، ويوربيدس، وإسكايلاس، وسفوكليس، وأرستوفان، ومن علمائها ومؤرخيها ذلك الطراز الأول الذي تلاحق على مدى ثلاثة قرون في عصر لم يكن فيه أحد يضارعهم أو يقاربهم في هذه العلوم، ومعهم رهط من نوابغ الفن وأساطين السياسة والحكم يوازنون نظراءهم من كل أمة، ويرجحون أحيانا على أولئك النظراء بالكثرة والقيمة.
حسب الأمة اليونانية هذا الفخار الذي يقره جميع المنصفين من الشرقيين والغربيين.
فأما أنها استأثرت بالقيم الإنسانية العليا في الذوق والفكر والخلق، فتلك هي الدعوى التي يروجها الغرض ولا يسلمها التاريخ، فإذا كانت الشهادة لها بهذا الاستئثار هي المقدمة اللازمة للوصول إلى النتيجة المقصودة من تحقير الشرق وتسويغ استعباده، فهي مناجزة يقابلها الشرقيون بما ينبغي لها من التصحيح والتفنيد، وإنها لينبغي لها أن تصحح وتفند لغرضين واجبين؛ أحدهما: تمحيص الحقيقة، والآخر محو الأثر السيئ الذي تعقبه في نفوس أبناء الشرق، فتوقع فيها اليأس، وتقضي عليها بالمهانة ضربة لازب بحكم الخصائص الفطرية التي لا تتغير ولا تتبدل مع الزمن، في زعم الزاعمين.
لقد حصروا في طبيعة الغربي - من وراء اليوناني - كل قيمة إنسانية عالية في مزايا الفكر أو الحكم أو الخلق، وقابلوه في هذه الخصائص بالشرقي، فخرج الغربي بمزية العقل الذي يطلب العلم للعلم، ومزية الحكم الذي يقوم على حقوق الشعب، ومزية الخلق الذي تتقدم فيه الفضائل الاجتماعية على دواعي الأنانية ودوافع الغريزة، وخرج الشرقي من هذه الموازنة بالطرف النقيض، كأنهما متقابلان على خط من خطوط المسطرة لا يتلاقى طرفاه من أقصاه إلى أقصاه.
ونحن نصحح هذه المزاعم في مناسباتها إنصافا للحقيقة، ومنعا للضرر الذي يتخلف من آثارها، وبخاصة حين يتلقفها من أبناء الشرق من يحب الشهرة بالتحدي والمنافرة، ومن يحب التشدق بالغرائب والتعالم بالبدع والنقائض. وقديما رأينا من أصحاب هذه النزعة من ينافرون بني آدم اعتزازا بعنصر الشيطان، وكذلك كان بشار بن برد حين قال:
نامعلوم صفحہ