في كتابه عن شعائر الشرق الأدنى الغابرة وعلاقتها بالعهد القديم نماذج من الصلوات البابلية المحفوظة يعلن أصحابها التوبة، ويطلبون الغفران؛ لأنهم أكلوا طعاما حراما ووطئوا على بقعة محرمة بغير علم ولا اجتراء على مغبة العقاب.
وقد نزيد المسألة توضيحا حين نقول: إن الإله وحده هو الذي يحق له أن يحرم شيئا ولا يذكر سبب تحريمه؛ لأنه هو وحده الذي يعلم مصلحة الخلق جميعا فيما يبيحه لهم وينهاهم عنه، فأما غير الإله فالمحرمات التي ينهى عنها لغير سبب لا تدين أحدا بالخطيئة، وكل ما يخشاه من إتيانها أن يتعرض للغضب أو للعقاب.
فلا جرم تتقدم البلاد البابلية غيرها من البلاد؛ لأنها تقدمتها في كشف الطوالع، ورصد الكواكب، وتفسير ما تنبئ عنه من سعود أو نحوس، وتستحيل السعود والنحوس إلى مباحات ومحظورات ومحللات ومحرمات، حين تستحيل الكواكب أربابا علوية تريد السعد والنحس بحساب وتقدير. •••
أما الحصة التي ساهمت بها عقيدة فارس في تاريخ الأديان وتاريخ قوة الشر على التخصيص، فهي «الثنوية» أو تنازع النور والظلام على سيادة الوجود.
ويظهر أن الثنوية هذه عريقة الأصل عميقة الجذور في البقاع الفارسية وما حولها، فإنها بعد تهذيب الأديان الكتابية لها لم تزل متغلغلة في أفكار بعض الكتابيين ممن ينتمون إلى اليهودية أو الإسلام، ويقيمون في أطراف البلاد التي كانت تحيط بها حضارة ما بين النهرين منذ أربعين قرنا أو تزيد. وقد روى الدكتور يوسف وولف، صاحب الرحلة إلى بخارى (من سنة 1843 إلى سنة 1845)، أن شيخا يهوديا يدعى ناثان زاره ومعه درويش من كشغار، فسأله الدرويش ممتحنا: من خلق النار والماء؟ قال الدكتور وولف: فلما أجبته أنه هو الله، صاح بي قائلا: صه! لا شيء من ذاك؛ لأن النار والماء عنصران مهلكان، ولا ينبغي لله أن يخلق المهلكات، وعليك أن تعلم أن الكون يحكمه إلهان؛ أحدهما: إله الملأ الأعلى، وهو رب الخير الذي خلق نورا لا يحرق، وخلق الوردة والبلبل، وقد تصدى له إله العالم الأسفل فحجب عنه خلائق الخير، وشنها حربا لا تزال حتى اليوم حامية الأوار، فمن عمل خيرا من الناس فهم خدام الإله الأعلى، ومن عمل شرا منهم فهم خدام الإله الأسفل، وسوف تحتدم الحرب كرة أخرى، فيصعد الإله الأسفل إلى السماء السابعة تحلق معه ألوف من جنده، وتطير بينها الحيات والثعابين، فيدور القتال سجالا حتى ينهزم الإله الأسفل ويلقي عصا الطاعة لإله السماء.
وأغرب من بقاء هذه العقيدة في موطن الثنوية أنها بقيت بين الأوروبيين إلى القرن السابع عشر، وكانت لها نحل ومعابد من بلاد البلقان إلى العواصم الفرنسية في الشمال والجنوب، وإذا صحت بعض الأخبار - مما نشير إليه في الفصول التالية - فقد بقيت شعبة منها إلى القرن العشرين تتستر باسم الماسونية، وتستقبل المصلين في باريس حيث يقربون القرابين إلى الشيطان، ويكررون التلاوات التي كانت ترتل في معابد النحل الشيطانية قبل ثلاثة قرون، وتدور خلاصتها على الإيمان بسيادة الشيطان على الدنيا، واعتبار المادة خلقة شيطانية يتنزه عنها إله السماء، ولا تسري عليها أوامره ونواهيه.
وقد تطور الإيمان بالثنوية أو هو قد ترقى مع الزمن في القرون الأولى كأنه جذر عريق لا يقتلع مرة واحدة، ولا يزال قابلا للنمو في منبت بعد منبت من العبادات الخالية.
فكان الوجود قسمة متساوية بين النور والظلام كما يتساوى النهار والليل، ثم ترقى المؤمنون بهذه الثنوية فآمنوا بإله واحد يسمونه «زروان»، وقالوا بولدين له كانا في رحم الغيب، فوعد أكبرهما بالسيادة على الدنيا، فاحتال إله الظلام منهما على الخروج أولا لعلمه بمسالك الظلمة، فكان له السلطان على الرغم من أبيه إنجازا لوعده، ولم يستطع الأب إلا أن يعد ابنه إله النور بالغلبة بعد حين يقدرونه بتسعة آلاف من السنين الكونية.
هذان الإلهان هما: «أورمزد» و«أهرمان»، أو الروح الطيب والروح الخبيث.
ومن عقائد بعض الثنوية أن الخلائق النافعة من صنع إله النور، وأن الخلائق الضارة أو التي لا نفع فيها من صنع إله الظلام.
نامعلوم صفحہ