وديانة الهند على هذا لم تبتدع شيطانا أو أرواحا شيطانية غير الأرواح التي يسمونها بالراكشا، ويردونها إلى الشراذم المشردة من أبناء البلاد الأصلاء الذين صمدوا للآريين زمنا ثم استكانوا على مضض وتربص، أو على هوان واستسلام.
أما «الشيطان الكوني » فهو مرادف للفتنة وكل ما يغري النفس بمطامع الحياة.
ويصعب على المتتبع للأعمال التي تنسب إلى بعض الآلهة، والأعمال الهامة التي تنسب إلى الشياطين الهادمة أو المعادية للجنس البشري أن يفرق بينهما بغير الرجوع إلى النيات، فقد تتشابه في الهدم ولا تفترق عن القصد والنية، فما كان هدما للقضاء على مطامع الدنيا وحبائلها فهو خير، وما كان هدما للتنافس على هذه المطامع، والوقوع في هذه الحبائل؛ فهو من عمل الشيطان كيفما كان الاسم الذي يطلق عليه.
الشيطان بين النهرين
ظفرت «بلاد النهرين» بعناية من المؤرخين الدينيين وعلماء المقارنة بين الأديان لم يظفر بها قطر آخر؛ لأنها ميدان للبحث لا يضارعه ميدان آخر في اتساعه وامتداد تاريخه، وتعدد أقوامه، وتيسر البحث فيه لنوعين من المقارنة يندر جدا أن يتيسرا في رقعة أخرى من الكرة الأرضية؛ وهما: مقارنة الأديان ومقارنة الأجناس في وقت واحد، إذ كان وادي دجلة والفرات وطنا قديما أقام فيه الآريون والساميون والطورانيون، وسواء صح أن السومريين الذين أقاموا فيه زمنا قد وفدوا إليه من الصين أو لم يصح هذا القول الغالب، فقد صح أن «زرادشت» نبي المجوسية عاش بين الطورانيين والمغول حقبة من الزمن، ووفق بين عبادتهم وعبادة الوثنية المجوسية بعض التوفيق.
وهذا التعدد في السلالة يصاحبه تعدد آخر في الأحوال الاجتماعية بين مجتمع المدن ومجتمع الرعاة، ومجتمع الزراعة الدائمة ومجتمع الزراعة المتنقلة، وبين أناس يبنون الهياكل وأناس لا يعرفون البناء، أو أناس يعبدون النار والكواكب وأناس يلصقون عبادتهم بالأرض ومعالمها وعناصر الطبيعة التي تهيمن على أرزاقهم ومساعيهم.
وتتضاعف العناية بالديانات التي نشأت بين النهرين لسبب غير هذه الأسباب، يهتم به الأوروبيون وأتباع الأديان الكتابية على العموم؛ لأن مراجع الأديان الكتابية تبتدئ في بلاد النهرين منذ عهد إبراهيم الخليل إلى عهد الشريعة الموسوية وشريعة حمورابي إلى عهد السبي واختلاط بني إسرائيل بالبابليين والميديين، واقتباسهم ما اقتبسوه منهم في العرف الديني والشعائر التي لها اتصال بمراسم العبادة، ثم تأتي عبادة «مترا» وعبادة «المانوية»، وقد زاحمتا المسيحية مزاحمة شديدة في دولة الرومان من شواطئ آسيا إلى الجزر البريطانية.
فالعقائد الدينية التي نشأت قديما حول بلاد النهرين لم تزل محور البحث ومرجع المقارنة والاستشهاد في جميع الديانات الكبرى، وأولها المسيحية التي يدين بها الأوروبيون، وهم أول من درس المقارنة بين الديانات على النهج الحديث.
ونحن في هذا الفصل لا نقصر الكلام على البلاد التي تحصرها الأوضاع الجغرافية بين النهرين، ولكننا نمضي معها إلى حدود الحضارة التي تأثرت بها أو أثرت فيها من وراء النهرين شرقا إلى أرض فارس، ومن ورائها غربا وجنوبا إلى الأقطار العربية أو الأقطار السامية التي كان لها اتصال بالدولة القائمة في بابل وآشور.
ولا حاجة بنا - في هذا الفصل - إلى استقصاء العقائد والشعائر في هذه الرقعة الواسعة من المساكن والسكان، وإنما ننظر إلى عقائدها وشعائرها من جانب الصلة بموضوع الكتاب، وهو الكلام على «الشيطان» أو قوة الشر العالمية، وقد كان لحضارة النهرين صلة وثيقة بجميع الأمم التي دخلت في عداد المؤمنين بالأديان الكتابية، فليست في حضارات العالم حضارة أحق بالدراسة في هذا الصدد من الحضارتين البابلية والفارسية، وكلتاهما تدخل في العنوان الشامل الذي نطلقه على أقطار «ما بين النهرين» بشيء من التجوز من الوجهة الجغرافية، وبغير تجوز من الوجهة الثقافية.
نامعلوم صفحہ