(222) وأما العلوم التي يحتاج في كثير من الأمور التي فيها إلى ارتياض جدلي، فإن المتعلم إذا سأل عن شيء منها " هل هو كذا أو ليس هو كذا " فإن المعلم إنما ينبغي أن يجيبه أولا أنه كذلك ويردف ذلك بحجة جدلية يتبين عنهاذلك الشيء. وينتظر من المتعلم أن يأتي بما يبطل ذلك الشيء ويناقض ما أورده المعلم لا ليجادل ولكن ليستزيد من المعلم البيان وليعلم أن الذي أورده ليس بكاف في إعطاء اليقين، ويقف المعلم به على ذكاء المتعلم وأنه ليس يعمل في ما سمعه على بادئ الرأي ولا على حسن الظن بالمعلم. فإن لم يفعل المتعلم ذلك من تلقاء نفسه بصره المعلم موضع العناد في ذلك الشيء وموضع المعارضة في تلك الحجة، ثم إبطال تلك المعارضة وإبطال ذلك الإبطال. ولا يزال ينقله من إبطال إلى إثبات ومن إثبات إلى إبطال إلى أن لا يبقى هناك موضع نظر ولا فحص، ثم يردف جميع ذلك بامتحانها بالطرق البرهانية. فحينئذ ينقطع تداول الحجج في الإثبات والإبطال ويحصل اليقين. ولا موضع ههنا أيضا للفحص. لأن الشيء الذي كان المتعلم يحتاج إلى أن يفكر في استنباط حججه يجده قد استنبطتحججه كلها، فيعلمها كلها، ثم يمتحن ذلك بقوانين البرهان التي عرفها من المنطق. لأن المتعلم لتلك العلوم ليس يتعلمها على ترتيب أو يكون قد علم المنطق قبل ذلك. فإذن لا موضع في شيء من العلوم للفحص الجدلي إلا في التي يحتاجفيها إلى ارتياض جدلي، اللهم إلا أن تكون الصناعة التي كان القدماء فرغوا من استنباطها بادت فاحتاج الناس إلى استئناف النظر والفحص عن الأمور أو يكون ذلك في أمة لم تقع إليها الفلسفة مفروغا منها.
(223) والسوفسطائية فهي تنحو نحو الجدل فيما تفعله. فما يفعله الجدل على الحقيقة تفعله السوفسطائية بتمويه ومغالطة. وهي أحرى أن لا تكون صناعة تصحح بها الآراء في الأمور، فإن استعملها مستعمل حصل من الآراء في الأمور على آراء أهل الحيرة أو على مثال آراء فروطاغورس. ومخاطباتها سؤال ب " هل " وجواب عن " هل " ، اللهم إلا حيث تتشبه بالفلسفة وتقول عن ذاتها وتموه وتوهم أنها فلسفة.
(224) وأما الخطابة فإن أكثر مخاطباتها اقتصاص وابتداء وإخبار لا بسؤال ولا بجواب، وربما استعملت السؤال والجواب. وتستعمل جميع حروف السؤال سؤالات وفي الإخبار. أما حروف السؤال سوى حرف " هل " فإنها إنما تستعملها في السؤال على جهة الاستعارة والتجوز وعلى جهة إبدال حرف مكان حرف - وهذا أيضا ضرب من الاستعارة والتجوز - وتستعملها في الإخبار على الأنحاء التي سبيلها عند الجمهور أن تستعمل في الإخبار على ما قد بيناها كلها. وأما حرف " هل " فإنها تستعمل أحيانا في السؤال على التحقيق وعلى ما للدلالة عليه وضع أولا، وتستعمله أيضا في السؤال استعارة، وتستعمله أيضل في الإخبار. إلا أنها إذا استعملته في السؤال على التحقيق فربما قرنت به أحد المتقابلين. وليس إنما يقتصر على ذلك الواحد إرادة للاختصار ويضمر الآخر ليفهمه المجيب من تلقاء نفسه، لكن لأن صناعته توجب أن لا يقاس به إلا ذلك الواحد فقط من غير أن تكون قوة قوله قوة ما قرن به المتقابلان، بل لا ينجح قوله إذا كان على طريق السؤال إلا إذا كان المأخوذ في السؤال أحد المتقابلين فقط. وإذا قرن به المتقابلين فليس يقرنهما به معا إلا حيث لا ينجح قوله إلا بإهمال المتقابلين والتصريح بهما معا. ثم ليس يقتصر على المتناقضين ولا على القولين المتضادين بل يستعمل سائر المتقابلات، ثم ليست المتقابلات التي هي في الحقيقة بل والتي هي في الظاهر وبادئ الرأي متقابلات، ثم التي قوتها قوة المتقابلات وإن لم تكن هي أنفسها متقابلات، فإنه ربما قرن به أحد المتقابلين ويجعل مكان المقابل الآخر شيئا لازما عنه ويأتي به مكان المقابل الآخر - ولا يكون ذلك خارجا عن صناعته - أو يكون المقابل الآخر أو الآخر استعارة فجعله مكانه.
صفحہ 73