ثم هنالك نشاط ذهني يتولى الإحساسات التي سمح لها بالقبول، يتولاها ليصبها في قالب واحد فيوحدها شيئا واحدا، وإلا فسيظل خليط الإحساسات خلية مهوشة في الداخل كما جاءت مضطربة مهوشة من الخارج.
فهذا القلم الذي في يدي، إنما يجيء إلي منه لمعات من الضوء - هي ما فيه من ألوان - كما يجيء إلي منه لمسات من الصلابة بين أصابعي. ولمعات الضوء قد جاءتني عن طريق غير الطريق التي قد سلكتها لمسات الصلابة؛ فهل يا ترى تظل هذه اللمسات وتلك اللمعات مستقلة إحداها عن الأخرى داخل رأسي كما قد وردت إلي مستقلة إحداها عن الأخرى؟ كلا؛ لأنها لو فعلت ذلك لما نشأ عندي تصور للقلم على أنه كائن واحد موحد العناصر، فلا بد للفاعلية الذهنية من القيام بهذا التوحيد.
حاول بعد ذلك أن تسقط «القلم» من حسابك في هذا الوصف الذي أسلفنا، وحاول أن ترى الفاعلية الموحدة الرابطة بغير الشيء المعين الذي ينصب عليه الربط والتوحيد، يكن لك صورة مجردة، هي نفسها الصورة المجردة التي ألتمسها عند إدراكي للشيء الجميل، فإن وجدتها، جاز لي أن أحكم على الشيء بالجمال، وإن لم أجدها كان الشيء خلوا من الجمال.
ولما كانت هذه الفاعلية الإدراكية مشتركة بين الناس جميعا، كان من حقي أن أتوقع لكل الناس أن يروا ما أراه من جمال في الشيء الجميل، إذا هم تأملوه بمثل ما أتأمله. إنني إذ أتأمل قوام الشيء فإنما أتأمل فاعلية «الخيال» وهو يصب العناصر الكثيرة في كيان واحد، كما أتأمل كذلك فاعلية «الفهم» وهو يدرج ذلك الكيان الواحد تحت مقولات الذهن. والخيال والفهم هما الفاعليتان اللتان بهما «نعرف» ما نعرفه، وهما مشتركان بين الناس جميعا. فإذا ما جردناهما ونظرنا إليهما وكأنهما في خلاء بعيدين عن ميدان النشاط المعرفي، كان لنا بذلك الجانب الذي نصب عليه أحكامنا الذوقية، التي هي ذاتية وعامة في آن معا.
إنني أنظر - مثلا - إلى لوحة معلقة على جدار غرفتي، فأحس سرورا لرؤيتها. ولكن إلى هنا لا جمال؛ لأنه لم يصدر بعد حكم ذوقي عليها. ثم أتعقب النشاط الذهني الذي يتلو هذا النظر، وأتأمل فاعليتي، فأدرك فيها توحيدا وخلقا وصياغة، فتأخذني النشوة الجمالية بمعناها الصحيح، ويحق لي عندئذ أن أصدر حكما ذوقيا على اللوحة فأقول إنها لوحة جميلة، متوقعا من سائر الناس أن يلتقوا معي في حكم واحد عليها.
ومؤدى هذه الفلسفة الجمالية هو أن نبحث في الجميل عن بنية التكوين إذا كان متحيزا في مكان، كالصورة أو التمثال أو العمارة، وعن إطار التفاعلات إذا كان مما يمتد على فترة من زمان، كالتمثيل والرقص والموسيقى والشعر، والمهم في كلتا الحالين أن نجد خطة موحدة الأجزاء متآلفة العناصر، فيكون ذلك التوحد وهذا التآلف هو في نهاية المطاف موضوع الحكم الذوقي.
فمحور الأحكام الذوقية في دنيا الجمال، هو الشكل لا الموضوع، والبناء لا المعنى، وانسجام المقامات الكثيرة في وحدة متماسكة بغض النظر عن أي معيار خلقي يقرر ما ينبغي أن يكون؛ لأن الجميل لا يستهدف شيئا سوى أن يكون ذا تكوين خاص فيه الوحدة والبناء اللذان أشرنا إليهما.
على أن هناك نوعين من الجمال يجدر بنا أن نفرق بينهما، وهما الجمال الحر والجمال المقيد بغرض خاص.
أما الجمال الحر فهو الذي ننظر فيه إلى التكوين الخالص دون أن يرد إلى أذهاننا ما قد أريد لهذا التكوين أن يؤديه من وظائف. كما تنظر مثلا إلى زخرف هندسي في الفن العربي، فأنت عندئذ لا يعنيك ألا تناسب أجزاء الزخرف، ولا تسأل ماذا يعني هذا الزخرف.
وأما الجمال المقيد بغرض كجمال الجسم البشري وجمال الحصان وجمال البناء، فها هنا قد نقيس جمال الجسم إلى ما قد جاء ليؤديه، وعندئذ قد يعوقنا التفكير في صلاحية الشيء لأداء وظيفته دون الإدراك الجمالي الخالص، الذي لا يتأتى إلا إذا نظرت إلى الجسم البشري من حيث هو تكوين خالص، وإلى جسم الحصان من حيث هو تكوين خالص كذلك، وهكذا.
نامعلوم صفحہ