ما لديه أصول نظريات لم يمنحها ما تستحقه من شرح وتفسير وتمثيل، وظلت مغلقة على الذين جاءوا بعده، فلم يتقدموا بها شوطًا، أو تناولوا بعضها وانتزعوه من ملابساته الواقعية فأخطأوا تأويله والانتفاع به.
نظريته في الغريزة والبيئة والعرق
فأول ذلك ان الشعر في الجماعات إنما يعتمد على ثلاثة عناصر: الغزيرة (أي الطبع العام المواتي للشعر) والبلد (أي البيئة) والعرق (أي الصلة الدموية) يقول: وإنما ذلك (أي قول الشعر) عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز والبلاد والأعراق " (١) ومبدأ الأخذ بهذه النظرية يكاد يمثل ردًا على ابن سلام؛ فقد ذهب صاحب الطبقات إلى أن الشعر إنما كان يكثر بالحروب فقال " وبالطائف شعر وليس بالكثير وغنما كان يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء؟ والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم نائرة ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عمان " (٢)، فوجد الجاحظ أن هذا الرأي لا يطرد فقال " وبنو حنيفة مع كثرة عددهم وشدة بأسهم وكثرة وقائعهم وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم؟ ومع ذلك لم نر قبيلة قط أقل شعرًا منهم " (٣)، إذن ليس لكثرة الحرب والوقائع دخل في كثرة الشعر، ولا لخصب المكان علاقة بكثرته، فعبد القيس من أخصب الناس مواطن وشعرها قليل، وثقيف من أخصب الناس كذلك دارًا وشعرهم قليل حقًا، ولكن ذلك الشعر يدل واعتبر قبيلة الحارث بن كعب في زمانين مختلفين هما الجاهلية والإسلام تجد انهم كانوا قليلي الحظ من الشعر في الجاهلية ثم اصبح لهم في الإسلام