والنساء فتن بالحرية الجديدة والسفور الجديد، فهن يمرحن ويبالغن في المرح، والفتيات يرقصن حتى في الشارع، ويغنين في المقاهي، وكأنهن سجناء خرجن من سجنهن بعد طول العذاب، ورأين أهلن بعد طول الغياب، إلى آخر ما رأينا من مناظر طبيعية وغير طبيعية، وفنية وغير فنية.
ومن خير المصادفات أن رأيت في الآستانة «علي بك فوزي» أستاذنا القديم في مدرسة القضاء، وكان قد استقال من منصبه الحكومي، وخرج من مصر لأنه لم يطق أن يرى الجندي الإنجليزي يحتل بلاده، والجرسون اليوناني في القهوة يتمتع بامتيازات لا يتمتع هو بها، فخرج من وطنه هاربا، وطوف بالبلاد وحط رحاله في الآستانة، يقنع بخمسة وعشرين جنيها معاشا له، يصرف أقلها على نفسه وأكثرها على الفقراء من حوله. ظللت أبحث عنه في الآستانة طويلا حتى وجدته، فوجدت لقيتي، لأني أعلم أنه أقدر الناس على أن يشرح لي الانقلاب الحديث في تركيا ونتائجه وما فيه من خير وشر.
لقد أعلم أن قد حدثت في تركيا انقلابات اجتماعية خطيرة تثير اهتمامنا، لأن تركيا أول بلد إسلامي نزعت هذا المنزع وجربت هذه التجارب؛ فقد خلعت الخليفة وألغت الخلافة. وحرمت الخليفة المخلوع وأفراد أسرته وأصهارهم من الإقامة في الجمهورية التركية، وحولت الخلافة إلى جمهورية، وحولت كثيرا من أملاكهم ومباني القصور وملحقاتها إلى الأمة، وذهب العقلاء في ذلك مذاهب شتى، منهم من يحبذ هذا العمل ومنهم من ينقده.
وألغت وزارة الأوقاف، وجعلت تدبيرها لرئيس الأمور الدينية وهيئة علمية استشارية بجانبه، وألغت المحاكم الشرعية، ووحدت القضاء.
وألغت المدارس الدينية ووحدت المدارس، وقد كانت المدارس الدينية كثيرة منتشرة متنوعة في البلاد، وكان بعضها يتبع وزارة الأوقاف وبعضها يتبع وزارة الشئون الشرعية، فجعلتها كلها تابعة لوزارة المعارف، تعلم تعليما مدنيا واحدا، ومن شاء أن يعلم ابنه تعليما دينيا فليتكفل بذلك على نفقته، وقصرت التعليم الديني على كلية اللاهوت التي تتبع الجامعة، وهذه هي التي تخرج رجال الدين.
وألغت الطرق الصوفية وأغلقت الزوايا والتكايا، وحرمت الألقاب الصوفية من درويش ومريد وأستاذ وسيد وشلبي ونقيب.. إلخ، وحرمت العرافة والسحر والتنجيم وكتابة التعاويذ والأحجبة وأعمال كشف الغيب والإخبار بالمستقبل، وعاقبت كل من يثبت عليه شيء من هذا بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ليرة، وحولت الزوايا والتكايا إلى مدارس مدنية.
وحددت الزي الديني فلم تسمح به إلا لطائفة خاصة، كرئيس الأمور الدينية والأئمة والخطباء والوعاظ المعينين من قبل رئيس الأمور الدينية، أما من عداهم فيحرم عليهم لبس العمامة والتزيي بزي رجال الدين. وحددت يوم الجمعة يوم عطلة إجبارية
6
تعطل فيه المصانع والمخازن والمتاجر ونحو ذلك. ومن لم يفعل يعاقب، واستثنت من ذلك الأفران والجزارين وبائعي الخضر والدخان والصيدليات وبعض المؤسسات وألغت التقويم العربي وحتمت التقويم الغربي.
ومنعت الإسراف في الجهاز والزواج فلا ينقل جهاز علانية. ولا تقام أفراح أكثر من يوم واحد ولا تقام مآدب عامة في الأفراح. وسنت قانونا مدنيا عممته بدل مجلة الأحكام الشرعية وبدل الأحوال الشخصية اقتبسته من القوانين الأوروبية.. منعت فيه مثلا تعدد الزوجات وخولت لكل من الزوجين الحق في رفع قضية الطلاق لأسباب معينة.
نامعلوم صفحہ