ولا مناص من الوكيل لتحصيل الاشتراكات ...
ولا حيلة في قبول الوكيل على علاته؛ لأن معاملات الصحف لم تكن في ذلك العهد قد ثبتت ذلك الثبات الذي يسمح «بتكوين» طائفة من الأعوان المدربين ينقطعون لها، ويثابرون عليها، فإذا نجح من الوكلاء واحد من عشرات، فإنما ينجح بعد ابتلاء الصحيفة بخسائر هؤلاء العشرات، على دفعات!
ولنذكر أن الوكيل - على عيبه هذا - لا يستطيع أن يعمل في بلاد يجهلها ولا يقيم بين ظهرانيها ... فلا بد له من موطن في إقليم يعرفه، ولا يتسع هذا الإقليم المحدود لأكثر من مائتي مشترك على أكبر تقدير ...
وكم يصل من هذا المحصول إلى خزانة الصحيفة بعد المطال والعمولة، والسوق السوداء؟
قليل، جد قليل!
وكل صحيفة احتاجت إلى هذا القليل، فقد كان عليها أن تقبل وسائله وتتجرع غصصه، وتغضي عما تعلمه من عيوبه ومحظوراته ...
عدة الشغل
ومنها - بل في مقدمتها - أن تنشر الصحيفة كل ما يصل إليها من رسائل الوكيل، أو من مدائحه وأهاجيه في الواقع؛ لأنها «عدة الشغل» التي يعمل بها، ولا عمل له بغيرها، بين الأعيان والموظفين ... فمن تصدى لتحصيل الاشتراكات - وتحصيل غيرها في السوق السوداء - فلا أمل له في محصول ينفعه وينفع الصحيفة بعد تخويف وإغراء، ولا ضير بالتخويف والإغراء في سبيل الخدمة العامة والمصلحة القومية ... ولكنه الضير كل الضير على الوكيل «الأريب» الذي يستطيع أن يجمع المئات من لذعة هنا وأكذوبة هناك، ثم يتركها ليقنع بالعشرات وما دون العشرات!
وأحسب - بعد هذا كله - أن التفاؤل فريضة على الناس يضطرهم إليها الصدق الواقع، إن لم يضطرهم إليها شعورهم بالحاجة إلى الأمل والعزاء.
إن الأمور لا تقاس بأسوأ الظروف في جميع الأوقات، فكثيرا ما تتمخض الظروف السيئة عن حسنات لم تكن في الحسبان، ولقد رأينا في ذلك العهد أناسا عملوا في وكالة الصحف يدينون أنفسهم بنزاهة القاضي وأمانة الطبيب، ويشتغلون بهذه الصناعة؛ لأنها «هواية» تملأ الفراغ بالرحلات والمقابلات في غير عنت ولا اضطرار، ولكنهم شذوذ القاعدة الذي يبعث فينا التفاؤل كلما أطبقت علينا ظلمات الشؤم والقنوط.
نامعلوم صفحہ