حیات مسیح
حياة المسيح: في التاريخ وكشوف العصر الحديث
اصناف
واعتمد اليهود على الكنعانيين في شئون الثقافة والفن، ولم ينته اعتمادهم عليهم عند مطالب التجارة والصناعة، فنقلوا عنهم الكتابة، وأوزان الشعر، وأناشيد الصلوات، وحدث غير مرة أنهم تركوا عقائدهم، وتحولوا عنها إلى عقائد الكنعانيين، وإلى ذلك يشير العهد القديم في سفر القضاة حيث يقول: «وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم، تركوا إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر.» وإلى ذلك أيضا يشير العهد القديم في سفر الملوك الأول، حيث يقول النبي إيليا: «إن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك»، إلى أن يقول: «وقد أبقيت في إسرائيل سبعة آلاف، وهم كل الركب التي لم تجث للبعل، وكل فم لم يقبله.»
ولما تكاثر عدد اليهود المقيمين في الأقاليم الشمالية من فلسطين كالجليل والسامرة، تغيرت عاداتهم ومأثوراتهم، ونظر إليهم أبناء اليهودية نظرتهم إلى الخوارج الذين انقطعوا عن أصولهم، وتابعوا الغرباء على عاداتهم وآدابهم، وكان الواقع أن أهل الجليل خاصة تعودوا الكلام بالآرامية وهي لغة أهل سورية الداخلية، أو باليونانية، وهي لغة القادمين من البحر أو من آسيا الصغرى، واقتبسوا كثيرا من مأثورات الفرس والهند والعراق؛ لأنهم كانوا يلتقون بأبناء هذه البلاد القادمين مع القوافل الشرقية، ويرجح بعض المؤرخين أن الفينيقيين الأقدمين جميعا كانوا من قبائل الخليج الفارسي التي جلت عنه، وسارت مع طريق القوافل حتى استقرت على شاطئ بحر الروم، وظلت محافظة بعد ذلك على علاقتها بالبحار الشرقية.
وبلغ من بغض أهل اليهودية لأبناء ملتهم في الشمال أن «حنا هيركانوس» المكابي أغار على الأقاليم الشمالية، ومنها بلاد في السامرة، وبلاد في الجليل، فأعاد من فيها من اليهود إلى الجنوب، وخير المقيمين في الشمال بين الهجرة أو قبول الختان وشارات اليهودية؛ ففضلوا البقاء على المهاجرة من بلاد آبائهم وأجدادهم، أو من البلاد التي استوطنوها منذ زمن طويل ، ولبث السامريون منفردين بتقاليدهم، ولبث أهل الجليل متهمين منظورا إليهم بعين الريبة والاستغراب.
ومما اتفقت عليه أقوال المؤرخين، وتردد كثيرا في روايات التاريخ أن جمهرة كبيرة من أهل الجليل كانوا عربا يتكلمون الآرامية، ويلفظون العبرية بلهجة أجنبية يلحظها أهل الجنوب، ويميزون المتكلم بها من كلمات قليلة تبدر منه عرضا على غير روية، وكذلك عرف الحواريون في الهيكل كما كانوا يعرفون في كل فلسطين.
وقد كان من الأمثال السائرة على ألسنة اليهود المتعصبين لتقاليدهم وعاداتهم «أنه لا خير يأتي من الجليل» وفي إنجيل يوحنا أن نثنائيل عجب حين قال له صاحبه: «إننا وجدنا الذي أنبأ عنه موسى.» وأنه من الناصرة في الجليل، فأجابه مستغربا: «أمن الناصرة يجيء شيء صالح؟!»
2
وفي إنجيل يوحنا أيضا يروى عن رجال الهيكل أنهم كانوا يقولون متهكمين: «إنه لم يقم نبي قط من الجليل.»
3
كانت السماحة الدينية، وقلة التحرج هما سبب هذه النقمة على الجليل وأهله في نفوس أبناء اليهودية، المنكرين لكل سماحة والجامدين على كل حرج، ولكن هذا السبب بعينه هو الذي جعل أرض الجليل أصلح منبت للدعوة الإنسانية التي ترقبها العالم في ذلك العصر، فما كان من اليسير أن تنبثق دعوة الإخاء بين الأمم في كنف الحجر والجمود.
وقد اتفق بعد مولد السيد المسيح ببضع سنوات أن الجليل خرجت من سلطان ملك اليهودية، على أثر وفاة هيرود الكبير، وأنها دخلت هي والبادية المجاورة لها في نصيب ابنه هيرود انتيباس، وربما كان - عليه السلام - في العاشرة من عمره حينما هدم الرومان عاصمة الأمير الجديد، وبنيت العاصمة الجديدة طبرية على مقربة من الناصرة حيث نشأ - عليه السلام، ولا شك أنه في نحو العاشرة يسمع أخبار هذه الضربة، ويسمع أخبار الثورة التي تقدمتها، وأعقبت بعدها ما أعقبته من جرائرها، وقد كانت مشكلة التعصب، أو مشكلة السماحة الدينية حديث صباه، وأول ما طرق مسمعه من مشكلات السياسة والدولة، ولما سميت العاصمة الجديدة باسم العاهل الروماني طيبريوس سمع - ولا شك - تعقيب الكبار على ذلك الملق الروماني وشهد العبث من ذوي السياسة والإمارة قبل الأوان، وأدرك أن العواصم تهدم وتبنى، وأن الدول تدول، وأن الطاغية يتزلف، والمتزلف يطغى، وأن مجد الرياء زيف وخواء، فسبحت نفسه البريئة في آفاق غير هذه الآفاق، وصور لفؤاده الذكي ملكوت السماء في صورة غير الصورة، تخالفها ولا تزال تختلف عنها كلما تقدمت به الأيام.
نامعلوم صفحہ