ہاتف من الاندلس

علي الجارم d. 1368 AH
57

ہاتف من الاندلس

هاتف من الأندلس

اصناف

أن لست للنفس الألوف بباخع

أما الهوان فصنت عنه صفحة

أغشى بها حد الزمان الشارع

فليرغم الحظ المولى أنه

ولى فلم أتبعه خطوة تابع

إن الغني لهو القناعة لا الذي

يشتف قطرة ماء وجه القانع

ولكن ابن جهور استمر في تيهه وانحرافه عنه، غير أن ابن زيدون كان قوي الصلة بابنه أبي الوليد محمد بن جهور، وكان يظن ألا يناله من الوالد مكروه، مادام يحظى بمحبة الولد.

ذهب بعد عودته من بطليوس إلى دار ولادة، فقابلته بوجه بش، وأشواق كادت تملأ جوانب الدار، ثم قالت في غضب مصطنع: لا يا أحمد! لقد أطلت علي الغيبة، وأنساك جاهك وعظيم مكانك بين أمراء الأندلس فتاتك المزهوة بك. ثم رفعت رأسها في اعتداد وقالت: لست أنت وحدك الشاعر الذي هز أعطاف قرطبة، فإن نفسي تحدثني أن أنظم في تيهك وجفوتك قصيدة يتناقلها الرواة، وتخلد على الزمان. - لا لا يا سيدتي. شعر وجمال لا يجتمعان! فأجابت في دعابة: يجتمعان يا مولانا الوزير، فليس الشعر إلا جمالا، وليس الجمال إلا شعرا.

ثم جذبته من ذراعه إلى البهو، حتى إذا جلس أخذت تقول: ألا من سبيل إلى إنقاذي من ابن عبدوس؟! إنه يا أبا الوليد يلاحقني كما يطارد الصائد فريسته، إنه يفرض علي حبه فرضا كما يفرض ابن جهور الجزية على كل ذمي، إنه من الصنف الذي لا يرده الإعراض، ولا يكفكف من غربة الملال. إنه وقح مغرور يظن أن قلوب الحسان ملك يمينه، وأن له وحده أن يختار منها ما يشاء. والأدهى والأمر أنه يرى أنه أجمل شاب بقرطبة، وأن الأندلس لم تحو جنباتها من يساويه في جاهه وأدبه وثروته. كان ينكبني بزيارته كل يوم وأنت غائب، ويصارحني بحبه في سماجة وإلحاح، فلما سددت الطريق في وجهه، وأخبرته أنني أصبحت لك خطيبة، بعث إلي بالأمس امرأة من صويحباته، تشيد بمحاسنه، وتجتذب مودتي له، فرددتها أقبح رد، ورجعتها إليه حنينا بلا خفين؛ وهناك رجل آخر أشد منه بلاهة وأكثر جهلا، ذلك هو أبو عبد الله بن القلاس البطليوسي. ظن هذا المغرور أن المال الذي جمعه أيام الفتن والكوارث ينيله كل شيء، فراح يتابعني بنظراته، ويضايقني بزياراته. لقد ضقت بهما ذرعا يا أبا الوليد، والذي أرجوه أن تكتب إلى ابن عبدوس رسالة عني ترده إلى صوابه، وتذوده عن بابي.

نامعلوم صفحہ