حصاد فلسفی
الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى
اصناف
أو الألواح الأساسية للقيم، ولكن السلب عند هيجل أو العماء
Chaos
الباطن في حركة التاريخ ينظم نفسه لكي يتمخض عنه كلية الصيرورة. أما عند نيتشه فإن العماء ينظم نفسه في منظورات
perspectives
أو عوالم
worlds
تعود بشكل دائم. الصعوبة عند هيجل هي كيف يتواءم المطلق مع الإنسان، والأبدي مع الزمني، وكيف يمكن للوعي المتناهي أو الوعي الذاتي أن يتحد مع المطلق، في الوقت الذي يحتفظ فيه بهويته الذاتية المتناهية. وهناك صعوبة مشابهة عند نيتشه أيضا، فعلى فيلسوف المستقبل أو الروح الحر أن يصبح خالقا لنموذج جديد للجنس البشري، ولكي يفعل هذا لا بد أن يعلم أن الذاتية والوعي الذاتي هي أشياء وهمية أو منظوران للمطلق الأساسي الذي يسميه «إرادة القوة»، لكن في قاع العماء يكون الحل عند هيجل في وحدة المتناهي واللامتناهي باعتبارهما «حقيقة الكلية الشاملة». أما عند نيتشه فيبدو أنه لا يوجد حل ما دام العماء يلغي معنى وأهمية كل إبداع أو منظور متناه،
41
ولكن هل صحيح - كما يقول روزن - أن العماء يلغي معنى كل إبداع؟ لقد سبق الإجابة عن هذا السؤال في معرض حديثنا عن العود الأبدي، حيث أكدنا الفكرة النيتشوية عن أن الحياة صيرورة، وهذه الأخيرة مرادفة للعماء، وأننا نستطيع أن نفرض على حركاتها العشوائية ما نشاء من المعنى والقيمة في «اللحظة البريئة» أي أن الفعل الإبداعي الحر، هو الذي يحيل اللحظة إلى أبدية متجددة في كل لحظة، وذلك بأن يحقق فيها إرادة القوة، ويضفي عليها القيم المعبرة عن هذه الإرادة.
وعلى الرغم من هذه المحاولات التي تقرب فلسفة نيتشه من جدلية هيجل، فقد هاجم نيتشه فلسفة هيجل التاريخية هجوما عنيفا، وخاصة في فكرة التقدم، فبينما وجد هيجل أن التاريخ العالمي في تقدم نحو الحرية، وأنه بلغ ذروته في عصر هيجل نفسه، نرى على العكس أن نيتشه يعلن تدهور التاريخ وانهياره، بل يرى فيه ارتدادا ونكوصا. ففي عرض هيجل للتطور التاريخي نجد أنه سلب كل إنجازات الإمبراطورية الرومانية في التاريخ وانتقدها بلا رحمة لكي يمجد المسيحية باعتبارها احتجاجا مشروعا على روما وعلى كل العالم الذي يحكم حكما مطلقا مستبدا. وعلى الرغم من أن طبيعة منهج هيجل تحتم عليه أن يشير إلى الإسهام الحقيقي لكل قوة سياسية كبيرة في الماضي لعبت دورا هاما في التطور التاريخي بما في ذلك العالم الروماني، إلا أنه قدم الإنجازات الرومانية على أنها أخطاء بغيضة ليبرهن بذلك على تقدم مسار التاريخ. أما نيتشه فقد ذهب إلى عكس موقف هيجل عندما أعلى من شأن الإمبراطورية الرومانية التي وجد فيها، وفي العصر اليوناني الكلاسيكي (خاصة عصر ما قبل سقراط) فترات بطولة وحيوية، وإن كان لا يعفي بعض حكام روما من النقد خاصة الذين تسببوا في أعظم كارثة في التاريخ - في رأي نيتشه - عندما سمح انحطاطهم وفساد حكمهم بانتشار الديانة المسيحية في العالم: «إن انحطاط الحكام والطبقة الحاكمة هما علة الأذى الأعظم في التاريخ، بدون قياصرة الرومان، والمجتمع الروماني، لم يكن لجنون أو حماقة المسيحية أن تصل إلى السلطة أبدا.»
نامعلوم صفحہ