961

ہمیان الزاد الی دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

وإن قلت لعل الكلام محمول على المبالغة فى النهى عن الطرد، أى لو طردتهم على تقدير أن يكون حسابهم عليك كنت ظالما، فكيف إذا لم يكن حسابهم عليك، فهو نظير قوله عليه الصلاة والسلام

" نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه "

؟قلت قد قال بهذا بعض محققى الترك، ولله دره وهو موافق لما ذكرته من محض الآية على جواز العطف اعتبار أن ثبوت حسابهم عليه من دواعى ظلمهم، وقد ظهر لى البحث المذكور، والله الذى لا إله إلا هو قبل اطلاعى على كلام التركى، والحمد لله. وليست الآية دليلا على صدور المعصية والكبائر من النبيين، لأن النبى صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين لم يصدر منه الطرد، فضلا عن أن يكون من الظالمين، بل مال بالطبع إلى وجه استحسنه اجتهاده بمصلحة دينية، وهى أن يسلم الرؤساء فكثر أتباعهم، فيظهر الإسلام ويزيد بوجه لطيف ليس فيه إغضاب ضعفاء المسلمين، ولما بين الله أن الصواب غير ذلك، وأن ذلك الذى ظهر له هو بمنزلة الطرد حتى قال له { ولا تطرد } الآية تركه، وأيضا لا يلزم أن يكون { الظالمين } من الظلم الذى هو ذنب عظيم بجواز أن يكون بمعنى وضع الشئ فى غير موضعه بعدم إصابة رأيه ما عند الله، وليس عدم موافقة الاجتهاد ما الله ذنبا.

[6.53]

{ وكذلك فتنا بعضهم ببعض } فتنا بعض المؤمنين وبعض المشركين ببعض، ابتلينا فقراء المسلمين بأغنياء المشركين، ووضيعهم بشريف المشركين، وابتلينا شرفاءهم وأغنياءهم بفقراء المسلمين وضعفائهم، فهم يقولون كيف رزق المشركون وهم مشركون ووسع عليهم، وكان لهم شرف، والمشركون يقولون إن هؤلاء سبقونا للإيمان فلو آمنا كنا لهم تبعا وهم دوننا، فيأبون الإيمان لذلك، وذلك فتنة الدين، ومن وسوس الشيطان له من المؤمنين بذلك، ولم ينسب الله إلى الجور، بل أزاح ذلك فلا بأس، ومن رسخ فى قلبه الحق فلم يلتفت لتلك الوسوسة فهو من الشاكرين، ويجوز أن يكون هاء بعضهم عائدة للناس مطلقا، ولا ينافيه قوله { ليقولوا هؤلاء من الله عليهم من بيننا } لأن مشركى قريش القائلين أهؤلاء من الله عليهم من بيننا من جملة الناس، وأيضا ليس هذا القول مختصا بمشركى قريش فى ذلك الزمان، نعم الراجح رد الضمير إلى خصوص من تقدم ذكره، ونزلت الآية فيه، والكاف إن كانت اسما ومنعوت متعلقها المحذوف إن كان حرفا مفعول مطلق، وأى مثل ذلك الفتن فتنا أو فتنا ثابتا، كذلك الفتن، فإن أريد نفس الفتن الواقع ونفس من فتن فالتشبيه بمعنى أن صفة فتن فتنابه بعضا ببعض هو ما ذكر، وإن أريد فتن آخر ومفتون آخر فلا إشكال، ومعنى أهؤلاء من الله عليهم من بيننا إنكار أن يكون للإسلام هكذا مطلقا، أو ما عليه ضعفاء المسلمين من الإيمان أمرا حسنا صحيحا، فضلا عن أن يكون منة من الله لهم، خصهم الله بها من بيننا، ولو كان منة وفضلا لكنا أولى به، فنسبق له، لأنا الأعزاء الشرفاء ذووا المال كما قالوا

لو كان خيرا ما سبقونا إليه

واللام للصيرورة، ويجوز أن تكون للتعليل بلا حاجة إلى تأويل فتنا بعضهم ببعض يخذلنا، بل يصح مع إبقاء المعنى فتنا ابتلينا. { أليس الله بأعلم بالشاكرين } بمن قضى له فى الأزل بالشكر فيوفقه إليه، مثل هؤلاء الضعفاء، وأما من قضى له بالخذلان مثل من لم يؤمن من هؤلاء الرؤساء فيخذله، وليس الأمر بهين ولا مما يتساهل فيه.

[6.54]

{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } هم هؤلاء الضعفاء المؤمنون الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فقل سلام عليكم، قال خباب بن الأرت لما نزلت { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } كنا إذا أتينا النبى صلى الله عليه وسلم قال { سلام عليكم } ولفظه خبر، ومعناه دعا لهم بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون خبرا لفظا ومعنى بمعنى سلام عليكم أى قد ذكرهم الله بخير، أو سلمكم من عذاب الآخرة، كذلك قال عكرمة نزلت فى الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال عكرمة نزلت فى أبى بكر وعمر، وعثمان وعلى، وبلال وسالم بن أبى عبيدة، ومصعب بن عمير، وحمزة وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبى سلمة ابن عبد الأسد. وقيل إن قوما جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما، فلم يرد عليهم شيئا فنزلت، وقيل إن الآية على إطلاقها فى كل مؤمن، وهو أنسب بما شهر وأجمعوا عليه أن السورة نزلت جملة، فكيف يقال كان كذا فنزل فيه من سورة الأنعام كذا، اللهم إلا أن يقال نزل جبريل بتلاوة الآية فى شأن كذا، ونزل بتلاوتها فى شأن كذا، يذكره صلى الله عليه وسلم ويقول له احكم بما فيه فى شأن كذا، ولم ينزل بها لتكتب مرة أخرى وتتلى مكررة، بل كفى نزولها مرة واحدة أولا، ومن قال بعمومها أبو العالية، قال خالد بن دينار كنا إذا دخلنا على أبى العالية قال { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } الآية يتأولها عامة فكان يستعملها مع أصحابه. { كتب ربكم على نفسه الرحمة } وعد لكم الرحمة فى الأزل ولا تتخلف كما يجب أن لا يترك أحد ما فرض عليه، والله أوفى من وعد، ولا يخلف الميعاد، والرحمة فضل منه، ولا واجب عليه، فشبه وعده بما فرض فقال { كتب ربكم على نفسه } وقيل كتب فى اللوح المحفوظ، وهذا من كلام الله الذى أمر رسوله أن يقوله لهم، كأنه قيل فقل سلام عليكم، وقل كتب ربكم على نفسه الرحمة، وقيل قوله { كتب ربكم } إلخ ليس من مقول قل، بل كلام مستأنف من الله، خاطب به المؤمنين، ونفس الله ذاته الواجب الوجود، الذى ليس بجسم، كما أنه ليس بعرض ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ. { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } بفتح الهمزة على أن المصدر من جملة خبرها وهو اسم الشرط، وجملة الشرط والجواب بدل من الرحمة، وذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب، وقرأ الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف، والهاء فى أنه ضمير الشأن، والمراد بالجهالة فعل الجهل، فإن شأن المحرم لا يفعله إلا من لم يعلم بتحريمه، أى عمل منكم سوءا، أى ذنبا بفعل الجهالة، ففى هذا التقدير تكون الباء للتصوير، صور عمل السوء بفعل الوارد بالجهالة الاقتراف الذى لا يجوز، والسوء مطلق ما لا يحسن بقطع النظر عن كونه ذنبا، فيعلم أنه ذنب من قوله { بجهالة } وسواء كان الاقتراف مع عدم العلم بالتحريم، أو مع العلم به، فمن الأولى ما مر عن عمر رضى الله عنه من أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو فعلت ذلك حتى ننظر، أو أراد بالجهالة جهل ما يتبعه من المفاسد الدينية فى الدنيا.

ومنه أيضا ما مر عن عمر رضى الله عنه أو جهل العقاب، فإن من لم يعلم بالعقاب أصلا ومن علم به، ولم يكن علمه تحقيقا حتى يمنعه عن ارتكاب موجبه، سواء فى فقد تحقيق ذلك العلم، وكذا عدم العلم بما يفوت من الثواب، أو عدم تحقيقه، وأما أن يراد بالجهالة الجهل فى التحريم، وتنزيل من لم يجهل، لكنه يكون بمنزلة من جهل فى عدم الانتهاء عن الحرام، فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وفيه خلاف إلا أن يحمل على عموم المجاز، وبالوجه الثانى الذى هو أن الجهالة اقتراف ما حرم ولو مع علم، يقول مجاهد إذ قال من الجهالة إذ لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته أن يركب الأمر، وعنه من عمل ذنبا أو خطيئة فهو بها جاهل، ومن الجهالة بمعنى عمدها لا يجوز ولو مع علم، وقوله صلى الله عليه وسلم

نامعلوم صفحہ