821

ہمیان الزاد الی دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ ما يفعل الله بعذابكم } خطابا للمنافقين. { إن شكرتم } نعمه. { وآمنتم } هذه الواو عطفت السابق على اللاحق، لأن الشكر انما هو بعد الايمان بالله تعالى، ولا يتصور من مشرك شكر، ويجوز أن تكون للحال على تقدير قد، وقيل لا يلزم تقديرها، ولو كان الفعل ماضيا متصرفا مثبتا، وهى من قبل الحال المحكية، أى شكرتم وقد قدمتم ايمانا على شكركم، ويجوز أن تكون لعطف اللاحق على السابق يلوح بذلك على، الى أن العقل يوجب أمر شكر المنعم اذا رأى المنعم المفاضة عليه، التى ليست باختياره، وبعد ذلك يعلم بالدلائل أن المنعم هو الله جل وعلا، فيؤمن به، والاستفهام للانكار، أى لا يفعل بعذابكم شيئا ينفعه أو يضره، لأنه لا يناله ضر بمعصيته العاصى أو غيرها، فيشقى بعذابه بعد توبته، أو يدفع بعذابه ضرا وهو الغنى لا يحتاج لنفع فيستجلبه بعذاب المنافق، وانما يعذب من أصر لحكمة، اذ ليس من الحكمة اهمال العاقل، لأن اهماله يؤدى الى اباحة الشتم لله عز وجل، والاشراك به، وأيضا المعصية فى العاصى كسوء مزاج فى الحيوان يؤدى الى مرضه ودواؤه ما ذكره الله من التوبة عما مضى، واصلاح ما مضى، وما استقبل، والحال والاعتصام بالله، والاخلاص فهذه أربع تنفى وياء المعصية كنفى الدواء للمرض باذن الله وقدره، والا فتعذيب العاصى لا يزيد فى ملك الله تعالى ولا ينقص منه ترك تعذيبه. وانما قلت الخطاب للمنافقين لقوله { إن شكرتم وآمنتم } فكأنه قيل كيف أعذبكم ان خرجتم عن النفاق، ثم رأيته محكيا عن الطبرى، ورد عليه بأنه لا دليل على تخصيص المنافقين، وأجيب بأن الدليل آمنتم، وحمله الراد على عموم المؤمنين والمنافقين، ويلزم عليه الجمع بين الحقيقة والمجاز بلغة واحد، لأن ما الشكر أو الايمان حقيقتان فى المنافق، مجازان فى المؤمن، لأن المعنى فى حقه ان بقيت على الشكر والايمان، وحمل الشكر والايمان على البقاء عليهما مجاز، الا ان حمل على عموم المجاز، أو اعتبر من المؤمن شكره وايمانه اللذان يجددهما، وفى الجمع المذكور خلاف. { وكان الله شاكرا } مجازيا لكم على شكركم بأكثر منه، وقيل الشكر من الله تعالى قبول العمل واضعاف ثوابه. { عليما } بشكركم وايمانكم، فلا يفوتكم شىء من الجزاء عليهما.

[4.148]

{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } الاستثناء متصل على حذف مضاف، أى الا جهر من ظلم، والنصب على الابدال من الجهر أولى منه على الاستثناء لتقدم النفى واتصال الاستثناء، وكلا الوجهين استثناء، والمعنى أن الله أباح جهر المظلوم بالسوء وهو الدعاء على الظالم بما يسوءه مما لا يتعدى فيه الحق، مثل أن يدعو عليه بالنار، أو بأن يصيبه الله بمثل ما أصابه من الظلم، ومثل أن يذكره باسم الظالم والفاسق، ونحو ذلك من الأسماء التى سمى بها فاعل الذنب الكبير، ومثل أن يقول ظلمتنى أو ضربتنى أو سرقت مالى. قال ابن عباس وان لم يدعه بل صبر له خير، ومعنى لا يحب الله لا يبيح الله، وذلك من استعمال المقيد فى المطلق، فان الحب من الله تعالى للشىء اباحة له مع الأمر به، واستعمل هنا فى معنى الاباحة مطلقا، فانه تعالى لا يأمر المظلوم بالجهر بالسوء، ولكن ان جهر لم يعاقبه وان أبقى الحب على ظاهره من اباحته تعالى الشىء والأمر به كان الاستثناء منقطعا لما علمت من أنه لا يأمر بالجهر بالسوء المظلوم، كما أن الاستثناء منقطع اذا لم تقدر المضاف، أى لكن من ظلم له الجهر بقى أن الله كما لا يحب الجهر بالسوء لا يحب الاسرار به جزما. الجواب والله أعلم أنه ذكر الجهر لأنه غالب أمر المظلوم، فليس بقيد، أو أنه واقعة حال جهر مظلوم بسوء، فعوتب فنزلت الآية، أو يقدر العطف أى الجهر بالسوء من القول والاسرار به، ولا تكلف فى تقديره، لأنه معروف أن الاسرار أيضا لا يجوز. روى أن قوما ضافهم رجل ليلا فلم يطعموه، فشكاهم صباحا فعوتب على الشكوى فنزلت الآية، فهذه واقعة حال فيما جهر، كما أشرت اليه آنفا. وقال مقاتل نزلت الآية فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه،

" اذا شتمه رجل مرارا وهو ساكت، ورسول الله حاضر جالس، ثم رد عليه فقام النبى صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر شتمنى وأنت جالس، فلما رددت عليه قمت، فقال صلى الله عليه وسلم " ان ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجىء الشيطان "

والمشهور أنها نزلت فى الضيف المذكور. وعن مجاهد وغيره نزلت فى الضيف المحول رحله، فانه رخص له أن يجهر بالسوء من القول للذى لم يكرمه، بل أعرض عنه حتى حول رحله، مع أن أمر الضيافة واجب، ففى الآية على هذا تسمية حرمان الضيف ظلما، قال مجاهد يقول الضيف الفعل به لم ينزلنى، أو فعل الله به أنزلنى، وأساء ضيافتى له ذلك، ولكن العبرة بعموم اللفظ، ولو كان سبب النزول خاصا، فالآية شملت كل مظلوم الا ما قام الدليل على منعه، مثل أن تقول امرأة زنى بى فلان، لأنها تجلد حين لا بينة.

وعن الحسن الآية فى الرجل يظلم الرجل، فلا يدع عليه، ولكن يقول اللهم أعنى عليه، اللهم استخرج لى حقى، اللهم حل بينه وبين ما يريد ونحو ذلك، يعنى أن الاستثناء منقطع، أى لا يحب الله الجهر بالسوء فى القول، لكن من ظلم له مثل هذه الأدعية مما ليس جهرا بسوء. وفى الحديث عن أبى هريرة

" المستبان ما قالا فعلى الأول "

وفى رواية

" فعلى البادى منهما حتى يتعدى المظلوم "

، يعنى أنه يجوز له الجهر بمثل ما قيل له من السوء ما يجوز له القول به، مثل أن يقول له يا كافر، فيقول له أنت الكافر، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، وعلى هذا الاستثناء متصل، وفى قراءة الأمن ظلم بالبناء للفاعل فيكون الاستثناء منقطع، أى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لا من الظالم ولا من المظلوم، لكن الظالم لا يحل له الظلم، وفعل ما لا يحبه الله . { وكان الله سميعا } لدعاء المظلوم وكلامه. { عليما } بما فى قلبه، فليتق الله ولا يقل الا الحق، والصبر أفضل، أو عليما بالظالم، والمنافقون ظالمون مجاز ذكرهم بالسوء كما فى الحديث

نامعلوم صفحہ