ہمیان الزاد الی دار المعاد
هميان الزاد إلى دار المعاد
والمراد فى الآية تفضيل الدرجات بحسب الحسنات، وقيل التفضيل بما يعطيهم من المعجزات، وقيل التفضل بما يوفقهم إليه من الصبر الشديد والأعمال الصالحة. { منهم من كلم الله } وهو موسى، إذ كلمه عند الشجرة، وفى الطور وقيل هو ومحمد عليهما الصلاة والسلام، إذ كلمه الله ليلة الإسراء، وذلك تكليم مخصوص بواسطة ملك ليس لسائر الأنبياء أو بخلق الكلام فى الهواء، أو فى جسم آخر، وذلك فوق السماء السابعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعند نور الشجرة، وفى الطور ليوم مشهود، إعظاما لهما، والرابط محذوف، أى من كلمه الله وقرئ { كلم الله } بنصب لفظ الجلالة، والرابط ضمير مستتر، وفيها ضعف لأن كل مصل يناجى ربه، إلا أن تكليم محمد وموسى صلى الله عليهما وسلم فوق ذلك، لأن تكليم محمد ليلة الإسراء، وموسى فى الطور بإرسال إليهما فى شأن الكلام، وبقبوله، وعند الشجرة يجزم قبول وقرئ كالم الله بفتح اللام بعد ألف، فتح الميم والهاء من المكالمة، ويدل له قولهم موسى كليم الله، أى مكالمه كالجليس والخليط بمعنى المجالس والمخالط. { ورفع بعضهم درجات } على سائر الرسل، قال مجاهد وغيره هو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أعطى الخمس ولم يعطها أحد قبله وأعظم الناس أمة، ومبعوث للناس والجن كلهم، وخاتم النبيين. قال صاحب والكشاف ارتقت آياته إلى ثلاثة آلاف وأكثر، ولو لم تؤت إلا القرآن لكفى، إذا كان معجزة لا يعارضه معارض إلا افتضح، ولكونه المفرد العلم فى الفضل، ومشهور بالفضل على سائر الأنبياء، أبهم إسمه هنا تلويحا بأنه المراد بلا تصريح، وفى إبهامه لذلك تعظيم ليس فى التصريح به، وكلام الله جاء على لسانه، فكأنه هو كنى عن نفسه، كما يقال من فعل هذا فيقول المخاطب فعله أحدكم أو بعضكم، يريد نفسه، وهو أفخم من أن يقول فعلته أنا، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة، ثم قال لو شيئت لذكرت الثالث يريد نفسه، ويجوز أن يكون المراد بالبعض جماعة كإبراهيم ومحمد وغيرهما من أولى العزم وعن ابن عباس رضى الله عنهما
" كنا فى المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكر نوح بفضل عبادته وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " فيم أنتم؟ " فذكرنا له فقال " لا ينبغى لأحد أن يكون خيرا من يحى بن زكريا إنه لم يعمل سيئة قط، ولم يهم بها "
يعنى لا ينبغى لأحد غيرى بدليل قوله
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر "
وغير ذلك لو قال لا ينبغى الخ قيل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ونصب درجات على تقدير فى أولى، أو على الحالية، أى ذوى درجات أو مفعول ثان لتضمن الرفع معنى التبلبغ. { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } خصه بالذكر لإفراط اليهود فيه، إذا نفوا رسالته ورموه بالكذب، وإفراط النصارى فى تعظيمه إذ قالوا إنه إله أو ابن إله على خلافهم الفاسد، فبين الله أنه من الرسل، وله بينات لا غير رسول ولا إله، أو ابن تالله، وجعل معجزاته سبب تفضيله على من فضل كإحثاء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن الله. { وأيدناه بروح القدس } قويناه بجبريل كان معه يسير حيث سار، حتى رفع فى السماء السابعة، ومر الكلام فيها، وقيل خص موسى وعيسى بالذكر، لأن آيآتهما محسات تظهر للحاذق والأبله، ومع ذلك فما أوتى نبى بمعجزة إلا وقد أوتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بها أو بمثلها، وما أوتى به أقوى وأبقى، وكان شرعه خاتما وناسخا لما قبله مما يدخله النسخ غير منسوخ، وكان شرعه أخذ الجزية إلى نزول عيسى، وبعده القتل إلى قيام الساعة، وكان قوم موسى مغرمين بالسحر، وهانت معجزاته طبقها كقلب العصى وبياض اليد وقوم عيسى بالطب، فكانت معجزته طبقا كإحياء الموتى وابراء الأكمه وأهل عصر محمد صلى الله عليه وسلم بالفصاحة والبلاغة، فتحداهم بالقرآن فصاحة وبلاغه. { ولو شاء الله } أن يهدى الناس جميعا، أو ألا يقتلوا كفرا. { ما اقتتل الذين من بعدهم } أى من بعد الرسل وهم اسمهم. { من بعد ما جاءتهم البينات } لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا، لو شاء الله فساد الأرض ما أقتتل المسلمون مع الكفار، فيكون كقوله { ولولا دفع الله الناس } ، والآية دليل على إن الله شاء كفر الكافر وأراده وليس كذلك حبا، بل قضاء، فأخطأت المعتزلة إذ قالوا لا يشاء الله الشرور، فقالوا قد يقع ما لا يشاء الله وهو عصبان العاصى، ويشاء ما لم يقع كإيمان الكافر، وطاعة العاصى، فدعاهم ذلك إلى تفسير المشيئة بالقهر. { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن } بالبيات لتوفيق الله إياه فضلا. { ومنهم من كفر } بها لإعراضه عنه بخذلانه كالنصارى، لم يبق شئ إلا كفروا به فكفرهم بعسى جعلهم أياه إلها أو ابن الله، وكفرهم بالبعث قولهم إنما تبعث الأرواح. { ولو شاء الله ما اقتتلوا } بأن يؤمنوا كلهم، فلا يكون قتال على كفر، وكرر هذا للتأكيد. { ولكن الله يفعل ما يريد } من توفيق هذا فضلا، وخذلان ذاك عدلا، وحديث على وغيره فى القضاء بسطته فى شرح النيل، وحاصله أنه لا جبر هناك، والله خالق للفعل، والبعد كاسب، وكسبه باختياره، وبخلق الله. وسأل رجل عليا عن القدر فقال يا أمير المؤمنين خبرنى عن القدر؟ فقال طريق مظلم فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلحقه، فأعاد السؤال فقال سر الله قد خفى عليك فلا تفشه.
[2.254-255]
{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم } ما وجب عليكم من الزكاة، أصعب الأشياء على الإنسان بذلك النفس فى القتال، وبذلك المال فى طاعة الله عز وجل، نذكر إنفاق بعد بذل النفس لكونه شاقا صعبا، وذلك تفسير الحسن. وقال ابن إسحاق أنفقوا فى الجهاد لما ذكر الجهاد أمر بالإنفاق فيه، بنفق فيه، ينفق من يجاهد ومن لا يجاهد إعانة فى الدين، وقد مر أن الفرض فى الآية المتقدمة الإنفاق فى الجهاد فى بعض القول، وذكر الجهاد بعده ثم أكد هنا بذكر الإنفاق أيضا فيه، وقيل المراد هنا الإنفاق فى وجوه البر كلها من التطوع وقال ابن جريح المراد الصدقة الواجبة، والتطوع، فتشمل الزكاة وصلة الرحم. { من قبل أن يأتى يوم } هو يوم القيامة. { لا بيع فيه } فتحصلوا فيه ما تنفقون لتداركوا به ما لزمكم من الإنفاق فى الدنيا أو ندب لكم أو تحصلون ما تغدون به من العذاب أو تشترون به الجنة أو البيع الافتداء. { ولا خلة } فيه فيغنيكم فيه أخلاؤكم فى دفع العذاب، أو يسامحوكم به الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين والخلة الحب، يتخلل الأعضاء، والخليل الصديق يداخلك. { ولا شفاعة } فيه فتنفعكم الشفاعة يحط ما عليكم، ولا شفاعة
إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا
والمراد لا خلة ولا شفاعة فيه تدرك بهما ما ترك فى الدنيا، وليس الخلة والشفاعة قيتان فيه بين المؤمنين لذلك والمتبادر من قوله { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } أن يكون المراد بقوله أنفقوا الإنفاق الواجب، وعلى كل حال لا مفعول لانفقوا لعدم تعلق الفرض، أى استعملوا الإنفاق مما رزقناكم، ومن متعلقة بأنفقوا، وهى للابتداء أول مفعول محذوف، ومما رزقناكم نعته، أى أنفقوا شيئا ثابتا مما رزقناكم، أو متعلق بأنفقوا، وذلك الشئ على إطلاقه فى الندب، ومقدار الواجث فى الوجوب، ومن للابتداء أيضا على أن مما نعت أو للتبعيض، ومن قبل متعلق بأنفقوا، ومن للابتداء ولو جعلنا الأولى للابتداء وعلقناها به أيضا لاختلافهم زمانا ومكانا، وإذا اختلف الظرفان جاز تعلقهما بعامل واحد، ولو بلا تبع، نحو جلست فى الدار فى اليوم، وخبر المبتدأ بعد لا الثانية، والثالث محذوف كما رأيت، أو يقدر لهما خبر واحد، أى ولا خلة ولا شفاعة فيه، أى ثابتتان فيه، ويجوز أن تكون عاملة عمل ليس فى المواضع الثلاثة، إلا أن الأكثر حذف خبرها، ويجوز أن تعمل الثانية، ويعطف على اسمها ما بعد الثالثة فيقدر الخبر مثنى، ويجوز عطف مدخولهما على مدخول الأولى، فيقدر الخبر جمعا أو مفردا بتأويل الجماعة، أى لا بيع ولا خلة ولا شفاعة ثابتات، أو ثابت فيه، ولم يفتحن لأنهن فى جواب ما كان مرفوعا، كأنه قيل هو فيه بيع أو خلة أو شفاعة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتحهن على البناء، وكذا فى
لا بيع فيه ولا خلال
نامعلوم صفحہ