1527

ہمیان الزاد الی دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

[17.13]

{ وكل إنسان ألزمناه طائره } أى عمله وما قدر له شبه ذلك بطائر يطير بجناحه كأنه أطير إليه من الغيب والقضاء فطار فإن انتقال ذلك من القضى إلى الخارج شبيه بالطيران، ومن ذلك طار له سهم إذا خرج وقد ذكر ابن عيينة أن الآية من قولك طار له سهم إذا خرج، وقيل طائره ما قضى عليه من عمل سعادة وشقاوة وفيه الشبه المذكور وإن قلت ما نكتة التشبيه قلت من عادة العرب التيمن والتشاؤم بالطير وكثر ذلك حتى فعلته بالضباء أو حيوان الفلا يتيمنون بذهابه يمينا وهو السنوخ ويتشاءمون بذهابه شمالا وهو اليروح وتسمى ذلك تطيرا وتعتقد أن التطير قاض بما يلقى الإنسان من خير وشر فخاطب العرب بما تعرف فاستعير لفظ طائر لما هو سبب الخير والشر من قدر الله وعمل العبد، ولذلك فسر بعضهم طائره بخيره وشره. قال مجاهد وقتادة عبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان بالطائر بحسب معتقد العرب فى التطير { فى عنقه } كالطوق والقلادة والغل مما يزين أو يشين، فإن كان عمله خيرا فهو كطوق ذهب أو فضة ونحوهما مما يطوق فى العنق للتزيين وكالحلى الذى يقلد فى العنق من لؤلؤ ومرجان وغيرهما. وإن كان عمله شرا فهو كغل فى عنق، قيل ما من مولود إلا وفى عنقه ورقة مكتوب فيها شقى أو سعيد، وقيل المراد الطائر الملزم فى العنق هو ما يتحصل من العمل ويعلق فى عنق صاحبه فى قبره وهو ظاهر كلام الحسن الذى أذكره بعد قوله تعالى حسيبا. ونسب لابن عباس والمشهور عنه أنه عمل ابن آدم وما قدر له وروى عن الحسن يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها فى عنقك وظاهره إن الطائر الكتاب المشتمل على عمله المعلق فى عنقه إذا بعث، وقرئ بسكون نون عنقه { ونخرج له يوم القيامة كتابا } صحيفة أعماله أو نفسه فإنها كتاب من حيث أنها منتقشة بآثار أعماله، فإن الأفعال الاختيارية تحدث فى النفس أحوالا ولذلك يفيد تكرير النفس لتلك الأحوال ملكات والملكة قسم من مقولة الكيف والكيف عرض لا يتوقف تصوره على تصور غيره ولا يقتضى القسمة ولا عدمها فى محله اقتضاء أوليا، فإن اختصت الكيفية بذوات الأنفس تسمى كيفية النفسانية وحينئذ إن كانت راسخة فى موضعها تسمى ملكة، وكتابا مفعول به أو حال من مفعول محذوف هو ضمير الطائر أى تخرجه إلى الطائر حال كونه كتابا، أى نظهر عمله وما قدر له حال كونه مكتوبا ويدل على قراءة يعقوب، ويخرج بفتح الياء تحت وضم الراء فإن فيه على قراءة يعقوب ضميرا مستترا لطائر، ويدل له أيضا كلام الحسن الاتى وقرئ بضم الياء المثناة تحت وكسر الراء أى يخرج الله وعلى هذا فكتابا مفعول لو حال على حد ما مر وقرئ يخرج بالمثناة والبناء للمفعول ونصب كتابا على الحال من النائب المستتر العائد إلى الطائر، وهذه القراءة تدل أيضا على كونه كتابا حال فى قراءة نخرج بالنون وقراءة يخرج بالتحتية مضمومة والراء المكسورة { يلقاه } وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف بالبناء للمفعول من لقاء الشئ بالتشديد، أى جعله لاقيا للشئ وفى يلقاه على قراءته ضمير مستتر نائب الفاعل عائد إلى كل إنسان والهاء مفعول ثان، كما أن فيه على قراءة الجمهور ضميرا هو الفاعل عائدا إلى كل إنسان والهاء مفعول ولا مفعول ثانيا له والجملة على القراءتين نعت لكتابا { منشورا } نعت ثان أو حال من الهاء.

[17.14]

{ اقرأ كتابك } أى يقال له يوم القيامة اقرأ كتابك أو نقول له يوم القيامة اقرأ كتابك فيقرأه ولو لم يكن فى الدنيا قارئا { كفى بنفسك } الباء صلة للتأكيد ونفس فاعل { اليوم } الحاضر وهو يوم القيامة { عليك } متعلق بقوله { حسيبا } تمييز أو حال بمعنى الحاسب من حسب عليه كذا وهو الحاسب كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها أو بمعنى الكافى فوضع موضع الشهيد فعدى بعلى لأن الشاهد يكفى المدعى ما أهمه، وذكر حسبيا مع أن النفس مؤنث لأن الشهادة والقضاء والإمارة يتولاهن غالبا الرجل فكأن نفسه جعلت رجلا حسيبا، فكأنه قيل كفى بنفسك رجلا حسيبا أى عوضا من رجل حسيب أو لتأويل النفس بالمذكر وهو الشخص كما يقال ثلاثة أنفس بإثبات التاء فى العدد وإنما تثبت فى اللغة الفصحى فى عدد المذكور أولت بأشخاص فتثبت التاء أو لأن فعيلا بمعنى فاعل يجوز إسقاط التاء منه ولو كان لمؤنث. قال ابن جرير الطبرى بسند له عن الحسن يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك فاعمل ما شئت وأقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت فى عنقك معك فى قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك ا.ه. قيل يقول الكافر يا رب إنك لست بظلام للعبيد فاجعلنى أحاسب نفسى ويقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم حسيبا.

[17.15]

{ من اهتدى } إلى الحق، { فإنما يهتدى لنفسه } لأن ثواب أهتدى اهتداء له لا لغيره، { ومن ضل } عن الحق، { فإنما يضل عليها } لأن إثم ضلاله عليه لا على غيره فهو الهالك به لا غيره { ولا تزر } لا تحمل { وازرة } أى نفس حاملة { وزر } حمل { أخرى } أى نفس أخرى إنما تحمل كل نفس وزرها ويسمى الذنب، وزرا أى لا تذنب نفس مذنبة ذنب أخرى أى لا يتعلق بها ذنب أخرى ولا ينسب إليها، { وما كنا معذبين } لأحد على الشرك وفعل المحرمات وترك الواجبات، قال الحسن المعنى لا نعذب أحدا بالاستئصال، { حتى نبعث رسولا } إليهم نهاهم عن الشرك والمحرمات، ويأمرهم بالواجبات فيعصوه، وهذا فى جانب التوحيد زيادة لطف ورحمة، فإن الحجة تقوم فيه بنصب الدلائل التى يراها للكلف بعقله بلا إرادة أحد كالسماء والأرض وذاته وسائر ما يحسبه، وأما فى جانب الفروع فإقامة للحجة وقطع للعذر فإن الحجة فيه بإرسال الرسل ألا ترى كيف تكرر فى القرآن إن فى ذلك لآية، إن فى ذلك لآيات، هذا ما كنت أقول بعد استفراغ الوسع. وقالت الشافعية وغيرهم كلا النوعين إنما قامت فيه الحجة بالرسل وأنه لا وجوب قبل الشرع، وأن الوجوب إنما هو بالسمع لا بالعقل وبهذا قال أصحابنا لكنهم لا يعذرون أصحاب الفترة فى التوحيد ولا الفروع وعذر أهل المغرب صاحب الجزيرة إن كان على دين نبى ولم يعذره أهل الجبل وإمام الشافعية وغيرهم فيعذرون أهل الفترة وصاحب الجزيرة ولو لم يكن على دين نبى على خلاف بينهم.

[17.16]

{ وإذا أردنا أن نهلك قرية } أى أهل قرية، أو أردنا تخريبها بإهلاك أهلها والمراد تعلق الإرادة بإهلاك قوم لإنقاذ قضائنا السابق أو دنو وقته المقضى، كقولهم إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، { أمرنا } من الأمر ضد النهى أى أمرنا بالتوحيد والشريعة بلسان رسول، { مترفيها } أى منعميها وهم الرؤساء الذين يكثر الله عز وجل لهم النعم وخصهم لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور، ويدل على ما ذكرته من كون الأمر أمرا بالتوحيد والشريعة بلسان رسول قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله، { ففسقوا فيها } أى خرجوا فى القرية عن طاعة الرسول فى أمره لهم بالتوحيد والشريعة فإن الفسق النسوخ عن الطاعة فدل عليها بطريق المقابلة فإن دليل الحذف كما يكون بالموافقة يكون بالمخالفة أو بضد كقوله جل وعلا وله ما سكن فى الليل والنهار أى وما تحرك، وذلك قول ابن عباس، وقيل المعنى أمرناهم بالفسق كما أنه إذا قيل أمرته فأكل يفهم أن المراد أمرته بالأكل فأكل، وإذا قيل أمرته فقرأ، يفهم أن المراد أمرته بالقراءة فقرأ، وذلك فى الآية على طريق المجاز، فإن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفسق، وبيان ذلك المجاز أنه تعالى صب عليهم النعم صبا ليشكروها ويعملوا فيها الخير فجعلوها ذريعة إلى المعاصى ولما كان صب النعم سببا لعدم الشكر وللفسوق أو حاملا على ذلك، فكأنه تعالى هو الذى أمرهم بالفسق إذ يسر لهم ما توصلوا به لعدم الشكر وللفسق ويحتمل أن يكون الكلام على طريق عدم تعلق الغرض بالمفعول، فلا ينوى للأمر معمول كما تقول أمرته فعصانى، إذا لم يكن مرادك الإخبار بما أمرته بل مجرد ترتب عصيانه على الأمر، وقيل معنى أمرنا مترفيها أكثرنا مترفيها، يقال أمر الشئ بنفسه أى كثر، وأمرته فأمر، أى أكثرته فكثر يتعدى ويلزم بلفظ واحد ثلاثى، ومن المتعدى قوله - صلى الله عليه وسلم -

" خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة "

والسكة بكسر فتشديد صف النخل والمهرة المأمورة التى أكثر الله نتاجها فكان باسم مفعول وناب عن فاعله ضمير مستتر لا جار ومجرور أو ظرف أو مصدر، وقال مشرك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنى أرى أمرك هذا حقير. فقال - صلى الله عليه وسلم - إنه سيأمر أى يكثر ويدل على ذلك قراءة يعقوب، أمرنا بهمزة فألف تعدية لأمر اللازم الذى بمعنى كثر فالهمزة للتعدية والألف بدل من همزة الثلاثى، وروى هذه القراءة عن نافع وابن كثير، والمشهور عن نافع القصر لا المد الذى هو قراءة يعقوب، وقرأ أبو عمرو فى رواية أمرنا بالقصر وتشديد الميم أى أكثرناهم فالتشديد فيها تعدية لأمر اللازم المخفف الذى بمعنى كثر أو مبالغة فى المخفف المتعدى وتحتمل قراءة أبى عمرو هذه أن يكون التشديد فيها للتعدية من أمر بضم الميم بمعنى صار أميرا، أى صيرنا مترفيها أمراء ورويت هذه القراءة عن أبى عثمان النهدى، وأبى العالية، وابن عباس وعلى، وفى مصحف أبى ابن كعب أكابر مجرميها فمكروا فيها، واختار أبو حاتم وأبو عبيد قراءة الجمهور، قال أبو عبيدة اخترتها معنى الكثرة ومعنى الأمر وضد النهى مجتمعة فيها، كذا قال أبو عبيدة، وليس ذلك الاجتماع مسلما.

نامعلوم صفحہ