1386

ہمیان الزاد الی دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

قال يعقوب { يا بنى } الأصل يا بنين حذفت النون للإضافة لياء المتكلم، وأدغمت فيها ياء الإعراب { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } بنيامين اطلبوا الخبر عنهما بالحساسة، فمن بمعنى عن ويجوز كونها للابتداء، فإن الخبر المسموع فى حقها آت من شأنهما، وقرئ بالجيم وهو أيضا طلب الخير، وإنما قرأ به من يقول إنه بالجيم وبالحاء سواء، وقيل إنه بالجيم فى الشر وبالحاء المهملة فى الخير { ولا تيأسوا من روح الله } لا تقنطوا من فرج الله سبحانه وتنفيسه، وقرأ الحسن، وقتادة من روح الله بضم الراء، أى من رحمته التى تكون حياة للعباد { إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون } بالتكذيب لله جل وعلا، أو بجهله بالصفات، فإن العارف لا يقنط من رحمته فى شئ من الأحوال، وفى الآية عندى دليل على أن الإياس من رحمة الله فى الدنيا كبيرة، كما أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة، فإن الآية فى رحمة الدنيا وفرجها، والمشهور فى كتب الفقه، وعلى الألسنة أن الإياس من رحمة الآخرة كبيرة، ومن رحمة الدنيا ليس كبيرة. وذكره الشيخ عمرو التلاتى فى شرح النونية وقد تابعتهم عليه فى بعض كتبى الفقهية قبل أن تظهر لى هذه الحجة، ويبعد أن يكون قوله { ولا تيأسوا } إلى آخره كلاما مستقلا فى رحمة الآخرة. روى أن يعقوب أمر شمعون على أنه إن رجع مع إخوته أن يكتب إلى ملك مصر، بسم الله الرحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك به، يا من اعتز بعزه، فإن الله يعز من يشاء، ويذل من يشاء، إنى أيها العزيز رجل قد اشمأز قلبى، وقطع الحزن أوصالى، وإنى ناه عن الأفراح، دان إلى التراح، دائم البكاء والصياح، وأنا من نطف آباء كرام كيف يتوله منى اللصوص،وأنا من الخصوص، وقد أخبرت أنك وضعت الصاع فى الليل فى رحل ولدى الأصغر، ذلك الهلال الأقمر، واعلم أن حزنى على يوسف الفقيد دائم مسرمد، وإن أفجعتنى فى الآخر فإن قلبى لا محالة طائر. وكتب إليه يوسف اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. وفى عرائس القرآن إن يعقوب كتب إلى يوسف من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر الطاهر العدل، الموفى الكيل. أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، فأما جدى فابتلاه الله بنمرود فشدت يداه ورجلاه ورمى فى النار، وأما أبى إسحاق فشدت يداه ورجلاه، ووضع السكين على قفاه للذبح، وأما أنا فكان لى ابن أحب أولادى إلى، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتونى بقميصة ملطخ بالدم، وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناى، ثم كان لى ابن وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، ثم ذهبوا فرجعوا فقالوا إنه سرق، وإنك حبسته، وإنا أهل بيت لا نسرق، فإن رددته إلى وإلا دعوت عليك بدعوة تدرك السابع من ولدك، وختم الكتاب ودفعه إليهم، ووجههم به إلى مصر مع بضاعه مزجاة كما ذكر الله سبحانه وتعالى فى قوله { فلما دخلوا عليه... }

[12.88]

{ فلما دخلوا عليه } الخ ففى الكلام حذف تقديره فرجعوا إلى مصر متحسسين من يوسف وأخيه ووصلوها، فلما دخلوا على يوسف الخ، وهذا ذهاب ثالث إلى مصر { قالوا يا أيها العزيز } أى الملك، سمى عزيز لعزته وغلبته { مسنا وأهلنا الضر } والجوع حتى هزلنا لشدته. { وجئنا ببضاعة } قال الثعلبى فى عرائس القرآن كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق فى شئ إلا بوضيعة، وقال أبو مليكة عنه خرق الغرائر والحبال، ورثة المتاع، وقال عبد الله بن الحارث بن الحسن متاع العرب الصوف والسمن والإقط ا ه. وقال الكلبى ومقاتل الحبة الخضراء وقيل الصنوبر والحبة الخضراء وهى الفستق، وقيل بضاعتهم سويق المقل، وقيل سويقه والإقط، وقيل الأدم والنعال. { مزجاة } تدفع وترد لرداءتها أو لقلتها أو لهما معا، فلا تنفق فى الطعام أو غيره إلا بتحيل من صاحبها، أو بتساهل من البائع يقال أزجيت الشئ دفعته ليذهب، وأزجت الريح السحاب وأزجى الزمان بعضه بعضا أى دفعه، وكانوا لا يأخذون فى الطعام إلا الجياد. { فأوف لنا الكيل } بها كما توفيه بالبضاعة الجبدة { وتصدق علينا } زيادة على إيفاء الكيل، أو تفضل علينا بقبولها وإجازتها، أو أو برد أخينا بنيامين كما قال الداودى عن ابن جريج، وكذا قال الضحاك، والصدقة كانت محرمة على الأنبياء، وقيل كانت تحل لغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وسئل سفيان بن عيينة عن ذلك فقال ألم تسمع { وتصدق علينا } أراد أنها حلال لهم، رواه عبد الجبار بن العلاء، والجمهور على الأول ، لأن الأنبياء ممنوعون عن الخضوع للناس، والأخذ منهم، والصدقة وسخ الناس، وهم مستغنون بالله عنهم، وإنما أرادوا بالتصدق فى قولهم { وتصدق علينا } أن يجرى لهم على عادته فى المسامحة وإيفاء الكيل ونحو ذلك، مما يفعل بهم من الكرامة وحسن الضيافة، لا نفس الصدقة، وإنما يحل للأنبياء ما كان هدية أو إكراما لا صدقة برسم الخضوع، أو باسم للصدقة كما يتصدق على المساكين، ولا زكاة. قال التلاتى الصدقة تمليك يقصد به الثواب، والهدية تمليك يقصد به التعظيم، وقال أيضا هو وغيره إنهما لا يفترقان إلا فى شيئين هما أن الهبة يرجع فيها الواهب لا الصدقة، وأن الهبة يصح الرجوع فيها بالبيع، ولا يجوز فى الصدقة ولو على ابنه انتهى. وقيل يجوز رجوعها بشراء أو إرث أو غيرهما مما ليس إبطالا لها، وقيل إنما حرمت الزكاة على نبينا صلى الله عليه وسلم لا الصدقة، وامتناعه من أكلها لا تنزه تحريم، وهذا خلاف ظاهر قوله

" إنا معشر الأنبياء لا نأكل الصدقة "

إلا إن حملت الصدقة فيه على الزكاة، وهو الذى سبق فى حفظى ورويته، وكذا البحث فى إعطاء سلمان له رطبا قائلا له إنه صدقة فرده، وأعطاه بعد وقال هدية فقبلها.

وظاهر الآية أن إخوة يوسف طلبوا الصدقة بتمسكن وخضوع، ولذلك رق لهم وعرف لهم نفسه، ويدل لذلك قوله تعالى عنهم { إن الله يجزى المتصدقين } أحسن جزاء بالخلف فى الدنيا والآخرة، وليس القول ببنبوة إخوته متعينا، والمتصدق من يريد بصدقته الثواب. سمع الحسن رجلا يقول اللهم تصدق على فقال إن الله لا يتصدق، إنما يتصدق من يبتغى الثواب، قل اللهم أعطنى وتفضل على كذلك قيل. قلت الحق جواز إطلاق التصدق على الفضل مطلقا سواء كان مع ابتغاء ثواب أم لا، ففى الحديث فى شأن قصر الصلاة " هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " ولعل اختصاصه بابتغاء الثواب عرف، ولما يقولوا إن الله يجزيك، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن كذا قال الضحاك، وقيل علموه مؤمنا، ولكن أتوا بصيغة تعمه وتعم كل متصدق، ولما تمسكنوا له وخضعوا، وطلبوا التصدق ملكته الرحمة لهم، وارفضت عيناه بالدموع، فشرع فيما يفضى به إلى تعريف نفسه لهم إذ قال ما حكى الله عنه فى قوله { قال هل علمتم... }

[12.89]

{ قال } يوسف { هل علمتم ما فعلتم بيوسف } من إلقاء فى جب وبيع وضرب { وأخيه } بنيامين من إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم، وإيذائهم إياه كيوسف، وقولهم ما رأينا منكم يا بنى راحيل خيرا إلا بذل ذكرهم ذلك ليجرهم إلى التوبة التى هى لله حق، تقديما لحقه على حق نفسه، فمراده هل علمتم قبح فعلكم بهما عند الله جل وعلا فتتوبوا عنه، أو فتبتم عنه. { إذ أنتم جاهلون } متعلق بفعلتم، أى ما فعلتم بهما وقت جهلكم قبحه، وسماهم جاهلين ولو كانوا عالمين، لأنهم لم يعلموا بما علموا، وقيل إذا أنتم صغار فى حد السفه والطيش لم تبلغوا، أو إن الرزانة وهذا منه قيل يجرى مجرى العذر، وقيل جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف. وروى أنه ما قال لهم { هل علمتم } الخ حتى أزال القناع عن وجهه، وقيل أزاله بعد، وقال الكلبى سبب قول هذا المفضى إلى تعريف نفسه لهم كتاب أبيه، الذى كتبه إليه بعد حبس بنيامين ووجهه معهم. وقيل سبب قوله ذلك أنه ذكر لهم ما فعلوا مع مالك بن ذعر، وقال لهم إن مالك بن ذعر قال وجدت غلاما فى بئر من حاله كذا فاشتريته، فاعترفوا أنهم هو الذى بايعوه، وقيل إنه قرأ عليهم ما كتبوه لمالك بن ذعر، وكان فى آخره إن الكاتب يهودا فاعترفوا بذلك فغضب وأمر بقتلهم، فذهبوا بهم ليقتلوهم فولى يهودا وهو يقول كان يعقوب يبكى ويحزن لفقد واحد حتى كف بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم، ثم قالوا له إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وروى أنه رمى إليهم كتاب مالك بن ذعر فأفحموا، وأخذ الصواع فنقره فقال إنه يخبرنى أنكم رميتم أخاكم فى الجب، وأهرقتم الماء من صطيحته، وضربتموه ثم نقره فقال يقول أردتم قتله فمنعه يهودا، فقال نعم فقال أيكم يهودا؟ فأشاروا إليه، فقال جزاك الله خيرا عن أخيك يا يهودا، وجعل ينقره ويخبر حتى أتى على جميع فعلهم، وفى جميع ذلك يصدقونه، فقال بئس ما فعلتم بأخيكم، ثم قال لغلمانه خذوا بأيديهم واضربوا رقابهم، فقالوا أيها العزيز لا تفعل، فإن أبانا قد حزن على فقد واحد حتى عمى، وتركناه على الآخر طائر القلب، فكيف إذا سمع بقتلنا كلنا، وتملقوا وبكوا، وبكى معهم، ثم رفع البرقع عن وجهه فغشيهم نور وجهه فشبهوه بيوسف.

[12.90]

{ قالوا أئنك } بتحقيق همزة الاستفهام وهو للتقرير، وبذلك حقق بأن واللام وأنت، وتسهيل همزة أن، وقرئ كذلك مع إدخال ألف بينهما، وقرئ بتحقيقهما بلا إدخال، وتحقيقهما مع الإدخال. { لأنت يوسف } وقرأ أبى أئنك أو انت يوسف أى أئنك يوسف، وأنت يوسف، كرروا الكلام تعجبا وتثبتا، وقرأ ابن كثير إنك بهمزة واحدة مكسورة كما قال الدانى ووجهه الإخبار بأنه يوسف تحقيقا، وعرفوه لما وضع البرقع، وقيل لا حتى تبتسم فرأوا ثناياه كاللؤلؤ، وقيل حتى وضع التاج عن رأسه، وكان فى قرنه علامة تشبه الشامة البيضاء، وكان ليعقوب مثلها، ولإسحاق مثلها، ولسارة مثلها، وقيل ما قالوا ذلك بعد رؤية ما ذكر إلا توهما، أو تقدر همزة الاستفهام ولم يحققوه حتى قال ما أخبر الله عنه. { قال أنا يوسف } لم يقل أنا هو، تصريحا بأنه هو المسمى بهذا الاسم الذى فعلوا به كذا وكذا قد صار إلى هذه المرتبة { وهذا أخى } بنيامين من أبى وأمى المظلوم كما ظلمتمونى، ذكره لهم وهم يعرفونه، وما سألوا عنه، لأن فى ذكره بيانا لما سألوه عنه والاحتجاج بذكر النعمة، ولتفخم أمر أخيه، وليدخل فى قوله { قد من الله علينا } بسلامة الدين والدنيا، والجمع بينى وبينه { إنه من يتق } الله بأداء الفرائض وترك المعاصى كالزنى، عوقب عليها بنحو السجن { ويصبر } على ذلك وعلى البلاء، وقرأ قنبل عن ابن كثير بإثبات ياء يتقى وصلا ووقفا، وقال ابن هشام فقيل من موصولة، وسكن يصبر لتوالى حركات الباء والراء والفاء والهمزة، أو للوصل بنية الوقف، على المعنى، لأن من الموصولة كالشرطية عموما، وايها ما انتهى، أى ولكون مدخولها مستقبلا سببا لما بعده ولذلك دخلت الفاء فى الخبر، أو سكن تنزيلا للباء والراء المضمومة والفاء منزلة كلمة على وزن فعل يكسر فضم فسكن، لأنه بناء مهمل وتخفيفا إجراء للمفصل مجرى المتصل، أو سكن جزما على أن يتقى مجزوم بحذف الحركة المقدرة، ومن شرطية. { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } الرابط العموم، أو أراد بالمحسنين تفسير من يتقى ويصبر مراعات لمعناه، فكان جمعا، فالرابط إعادة المبتدأ لمعناه الصبر والتقى أحسن، فهو وضع للظاهر موضع المضمر تلويحا بأن المحسن من جمع بين التقوى والصبر. وقيل قال لهم يوسف

نامعلوم صفحہ