1179

ہمیان الزاد الی دار المعاد

هميان الزاد إلى دار المعاد

[9.8]

{ كيف } يكون لهم عهد تمسكوا به، أو كيف يكون لهم عهد يوفى لهم به، وقد نقضوه، فإعراب كيف كإعراب كيف السابقة، وإنما كررت تأكيدا لاستبعاد كون عهد لهم، ويجوز أن يقدر كيف يثبتون على العهد، أو كيف يبقى حكم العهد لهم مع نقضهم له، فكيف حال أو كيف ثبوتهم على العهد، أو كيف بقاء حكمه لهم، فهى خبر للمبتدأ بعدها { وإن يظهروا } الواو للحال، والحال أنهم إن يعلوا { عليكم } بالغلبة. { لا يرقبوا } لا يراعوا ولا يحافظوا، أو لا ينظروا { فيكم إلا } حلفا ووجه تسمية الحلف إلا أنهم إذا تماسحوا بالأيدى عند المخالفة، رفعوا أصواتهم، وشهروا أمرهم، ورفع الصوت يقال له إل وإليل، فقيل لكل عهد وميثاق إل، وإلا فالإل فى الآية صحيح اللام مضاعف، والإلية بمعنى الحلف معتلة غير مضاعف، وذلك قول قتادة، فقال ابن عباس إلا قرابة، وجهه أن القرابة مثل ذلك المذكور من رفع الصوت بالمحالفة فى العقد، بل أشد عقدا، ومثله قول بعضهم إلا رحما، وذلك كله استعارة، وقيل حقيقة، وقيل الإل التحديد، فإن المحالفة على الشىء إغراء عليه، وقيل اللمعان، فإن المحالفة فى شهرتها كشىء ساطع لامع، وقيل إلا اسم الله تعالى بالعبرانية، فإنما صرف مع وجود العلمية والعجمة، لأنه ثلاثى ساكن الوسط كما يقال له أيضا بالعبرانية إيل. وقد قالوا معنى جبرا وعزرا وميكا وإسراف فى الأصل عبد، وإيل الله فى جبريل وعزرائيل وميكائيل وإسرافيل، ولكن بدلت همزة هذا شذوذا، أو حذفت همزته، وقد قرىء جبرال براء فهمزة مكسورة مشددة مثل إلا فى الآية، غير أن جبرال منع الصرف لأنه صير اسما واحدا فوق الثلاثى. ولما سمع أبو بكر رضى الله عنه كلام مسيلمة الكذاب قال هذا كلام لم يخرج من إل، أى لم يكن من الله، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس لا يراقبوا فيكم إيلا بهمزة مكسورة فياء ساكنة من معناه الله، ويجوز أن يكون الأصل إلا بهمزة، فلام مشددة أبدلت اللام المدغمة ياء، كما أبدلت الميم المدغمة ياء فى إما المكسورة الهمزة، فيحتمل المعانى السابقة، ويجوز أن يكون إل يؤل إذا ساس كما قال عمر رضى الله عنه قد إلنا وإيل علينا، أى لا يرقبوا فيكم سياسة ولا مداراة، قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسر، وقرأت فرقة ألا بفتح الهمزة مصدرا بمعنى العهد. { ولا ذمة } عهدا أو حقا تركه عيب، قال الأصمعى الذمة كلما يجب أن يحفظ ويحمى، وقال مجاهد الإيل والذمة بمعنى العهد، كرر تأكيدا مع اختلاف اللفظ { يرضونكم } مضارع أرضى المتعدى بالهمزة { بأفواههم } هذا كلام مستأنف فى بيان مخالفة ظاهرهم لباطنهم المنافية للثبات على العهد ، المؤدية إلى عدم مراقبتهم فيكم إلا ولا ذمة إن ظفروا بكم، وليس الكلام حالا من الواو فى قوله { لا يرقبوا } لأنهم بعد ظهورهم على المؤمنين لا يرضونهم بأفواههم، بل يصرحون بالطعن فيهم، ولأن المراد ثبات إرضائهم المؤمنين بألسنتهم بالكلام الجميل، وبوعد الإيمان، والوفاء بالعهد، والطاعة وإخفاء العداوة.

{ وتأبى } تمنع وتكره { قلوبهم } ما تنطق به أفواههم، أو تمتنع قلوبهم مما تنطق أفواههم، فأبى على الأول متعد، وعلى الثانى لازم { وأكثرهم فاسقون } خارجون عن المروءة والأمور التى يستحسنها أهل الشرك مما هو حسن، كالصدق والوفاء بالعهد والوعد، والتعفف عما يدنس العرض، وما يثير السوء والفتن، لأنه لا عقيدة لهم تردعهم عن ذلك، وأما القليل منهم فلم يخرج عن ذلك، بل كان عدلا فى دين الشرك وذمهم بذلك الفسق، مع أن الشرك أقبح منه، لأنه هو القبيح عندهم، لا الشرك، ولأنه متعد إلى حق الغير، ولأن جامع الشرك ذلك الفسق أقبح ممن أشرك ولم يفسق ذلك الفسق، أو المراد بالفسق كل فسق، واستثناء القليل مراد به من سوء من يوفى بالدين، أو ليس التعبير بالأكثر استثناء للقليل، بل الأكثر بمعنى الكل.

[9.9-10]

{ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } استبدلوا بالقرآن عرضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، شبه تركهم القرآن مع تمكنهم من اتباعه ببيعه. { فصدوا } أى أعرضوا، فهو لازم، أو منعوا الناس فهو متعد، والفاء للسببية تفيد أن الاشتراء سبب للصد { عن سبيله } دينه وهو شامل للطواف بالبيت والحج، قيل أو سبيله سبيل بيته، فحذف المضاف، وذلك أنهم منعوا الناس عن المسجد الحرام والحج، والصحيح الأول لأنه الظاهر بلا حذف، ولأنه عام فيشمل كل إعراض أو منع عن دين الله، مثل إمداد أهل الطائف قريشا بالأموال ليقووا على حرب رسول الله صلى الله وسلم وغير ذلك، وقد ذكر عن ابن عباس أن هذا فى إمداد أهل الطائف. { إنهم ساء } بئس، ولو قدر له مفعول، أى ساء المؤمنين لم يكن من باب بئس، لكنه ضعيف { ما كانوا يعملون } هذا العمل من الشراء والصد والنقض، وعدم رقبهم الإل والذمة، أو غير ذلك، وقد قيل إن المخصوص بالذم هو عدم رقبهم الإل والذمة، وأن قوله { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } تفسير له لا تكرير، والواضح أن المخصوص بالذم عام كما رأيت، وهذا تكرير لعدم مراقبتهم الإل والذمة تهييجا على قتالهم، وإشعارا بأن عداوتهم بحسب الإيمان، إذ قال { فى مؤمن } وقد يقال بهذا إنه لا تكرير، إذ ليس فى لفظ الأول ما يدل على أنها بحسب الإيمان إلا ما يعلم من المقام، وقال الحسن يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم، وأكثرهم فاسقون، ذلك فى المنافقين و { اشتروا بآيات الله } إلى قوله { ذمة } فى الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعام، وندبهم على وجه من وجوه النقض، فأجابوا، وقالوا هذا مجاهد، وقيل فى اليهود. قال عياض هذا وإن كانت ألفاظ الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يردانه، والصحيح حمل ذلك كله على العموم، ولا وجه لرد بعض الضمائر إلى شىء، وبعضها إلى آخر، فإنه ضعيف ولا سيما أنه لم يتقدم ذكر هؤلاء المنافقين على الخصوص، ثم ذكر الأعراب أو اليهود، بل تقدم ما هو عام وهو لفظ المشركين، فإن أراد أصحاب هذه الأقوال أن الضمائر راجعة إلى المشركين عموما، وأن خصلة كذا صادقة فى المنافقين، وخصلة كذا فى الأعراب، أو خصلة كذا فى اليهود صح، كما تقول جاء الناس وأكلوا وشربوا وناموا، مع أن الأكل صدر من بعضهم مثلا، والشرب من بعض، والنوم من بعض، ولا يقال إن المشركين لا يشتمل المنافقين، لأن النفاق قد يكون بإسرار الشرك { وأولئك هم المعتدون } المجاورون الحد بالعداوة والنقض.

[9.11]

{ فإن تابوا } عن الكفر وسائر المعاصى { وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم } أى فهم إخوانكم { فى الدين } لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، قال ابن عباس حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة، ومن ترك الصلاة أو الزكاة استتيب، فإن لم يتب قتله الإمام، ولو ترك من الزكاة قليلا، كما شرح الله لذلك صدر أبى بكر رضى الله عنه حين منعت العرب الزكاة، وجازاه عن الاسلام خيرا ، ولو أتى بكلمة الشهادة لأنها قرنت بالصلاة والزكاة فى الآية ولو لم تقرن بهما فى بعض الأحاديث، اعتمادا على قربها بهما فى الآية. وفى بعض الأحاديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم

" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حقنوا عنى دماءهم وأموالهم إلا بحقها "

فإن ترك الصلاة أو الزكاة داخل فى حقها بمعونة الآية، وقد صرح بهما فى حديث ذكره الحسن هكذا

" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة "

نامعلوم صفحہ