قال: «اختاري: مدي يدا.»
نظرت إلى يديها، كلتاهما غاليتان، وفكرت في كل الثراء الذي قد تفقده بفقدان إحداهما. بعد ذلك سألته، وهي لا تزال تبكي وشاعرة بالحيرة: «أيهما اليمنى وأيهما اليسرى؟»
ضحك، وتردد صدى صوته عبر أميال من الكهوف والأنفاق الصخرية، وحمل أكثر من ثلاثين ألف عام من التاريخ البشري، وأخذ يدور في رقصة من نوع ما، والمياه ترتفع كالنافورة حوله، ويدندن بمقاطع مبهمة، ثم قفز أمامها وأمسك معصميها في يديه الضخمتين وقال: «ستعلمين أثناء الاختيار، أيهما اليمنى وأيهما اليسرى.» «لن أختار.» «حينها سأقطع كلتا يديك.» «كلا!» هكذا صاحت على الفور ومدت إحدى يديها، وبعد أن اختارت، رأت السكين الحجري وهو يسقط. •••
وقفت ديانا في غرفة المعيشة في شقتها بمحطة أثينا. كانت توجد منها نسختان؛ إذ كانت هناك ديانا الشابة العمياء، وديانا الأكبر سنا المبصرة.
نظرت ديانا المبصرة حولها؛ فلم يسبق لها رؤية المكان إلا عبر صور هولوجرامية، وشعرت بلمسة من شعور غريب لم تكن تعرف له اسما: العودة إلى شيء شبه مألوف. ظلت الشابة العمياء دون حراك؛ إذ كانت تحمل في رأسها صورة للشقة على شكل خريطة معقدة من العلاقات والحركات، ولم تكن الأنماط البصرية التي رأتها نسختها المبصرة ذات أهمية لها.
وضعت يديها على المنحوتة الموضوعة في منتصف الغرفة، وهي صنيعة نحات أعمى يدعى ديرنييه، ثم أغمضت عينيها وشعرت بملمسها الخشن المألوف ومكنتها المنحنيات الغريبة من تتبع صورة غير الصورة المرئية.
من خلفها قال صوت جيري: «ديانا.» استدارت إليه، فكان واقفا كما كان منذ أكثر من عشرين عاما؛ كان أصغر مما تخيلته من قبل، وجميلا، ومليئا بالرغبة نفسها التي تملؤها.
سارت ديانا، العمياء والمبصرة، الشابة والكهلة، عبر الغرفة نحوه، لكنه رفع يدا وقال: «توقفي. إذا أتيت إلي الآن حينها ستضعين على عاتقك التزاما لن تستطيعي التحرر منه مطلقا.» «لا يمكنني أن أدعك تموت.» «لقد عشت أطول كثيرا من أي تصور معقول. أنا ميت.» «لا يمكنني أن أتركك ميتا.» «هل يمكنك البقاء معي في العوالم غير الحقيقية إلى الأبد؟ إلى أن تتوقف المدينة عن الدوران أو أن تموت الروح التي تحركها؟ إلى أن يختفي أحدنا، ويعلق في عاصفة مرعبة أو كارثة؟ إلى أن تفنى إحدى روحينا أو كلتاهما مع انقضاء الزمن؟ (سمعت داخلها صوتا حفزها، ثم أرشدها، يسألها بصوت غير مسموع: «هل تفكرين منطقيا في عملية اختيار كهذه؛ بحيث تجمعين وتطرحين المزايا والعيوب، وتستقرين على ما هو في مصلحتك؟ أم هل تستخدمين عضو اختيار ما أسفل نطاق الوعي والذات الجلية؟» ويقول كذلك: «تذكري أن العقل منتجا مصنوعا من ردود الفعل العفوية للحياة، وفوقه يندفع الوعي جيئة وذهابا، ويفرط في تقدير قدراته ونطاقه على الدوام، وينظر لنفسه باعتباره حكما أو قاضيا لا يأتيه الباطل من بين يديه. اختاري كما شئت: فما سيكون سيكون.»)
ثم قالت: «نعم، يمكنني البقاء معك.»
كان هناك سؤال واحد آخر؛ إذ سألها جيري: «لماذا ستفعلين هذا؟»
نامعلوم صفحہ