أخذت ليزي تزحف في الظلام عبر أحد الأنفاق الصخرية. كان الماء البارد يجري عبر الشقوق الموجودة في الأرضية ويغرق بلوزتها وبنطالها. حاولت الوقوف لكن حين رفعت رأسها بضع بوصات قلائل ارتطم بقمة الممر الصغير الذي كانت تزحف عبره. لم تشعر بالذعر أو الارتباك على الإطلاق؛ فالنفق الخفيض سيؤدي إلى مكان ما، وسيخرجون منه. وبدا لها أن هذا اختبار من نوع ما.
ظهر الضوء، في البدء كان نقطة دقيقة تأتي من مسافة غير محددة، ثم صار وهجا أخذت تسير نحوه مسرعة، واجتازت منعطفا في الممر أفضى بها إلى فتحة في الصخور.
رأت عبر فتحة النفق مشهدا مستحيلا: منطادا قمته عبارة عن كرة مفلطحة خضراء اللون، كان يتمايل كما لو أن ثمة رياحا قوية، بينما قمته تميل نحوها بحيث استطاعت أن ترى عينا كبيرة في منتصفها، مفتوحة وتحملق في السماء اللامتناهية. كانت قزحية العين ذات لون ذهبي داكن يحيط بها نقاط ذهبية فاتحة. وحول العين كانت الرموش تختلج بفعل الرياح.
كانت منصة تحمل كرة معدنية، أشبه بكرة الأعماق، تتدلى من عش كثيف من الأغطية أسفل المنطاد. كان ثمة شخصان رابضان هناك، يمسكان بالأغطية وبأحدهما الآخر، وكانا ينظران إلى السماء. وبفعل حيلة بصرية ما، انكمشت المسافة بينها وبين المنطاد إلى أن رأت ديانا وجيري، شابين خائفين. زحفت إلى الأمام، واختفى المنطاد وديانا وجيري.
عند أحد منعطفات النفق، كانت ثمة طبعات أياد حمراء اللون تسطع في الظلام. وعند منعطف آخر، سمعت خوار ألف حيوان، ورأتها وهي تجري صوب منحدر وتقفز من فوقه، قطيع كامل من الثيران تجري وتصيح نحو موتها الجماعي. وبالأسفل، كما كانت تعلم، كان رجال ونساء ينتظرون كي يقطعوا الحيوانات الميتة ويحملون لحومها بعيدا.
كانت الصخرة تنحدر انحدارا حادا أسفلها، وبدأت تنزلق إلى الأمام، ثم تدحرجت بشكل جانبي وخرجت متعثرة من النفق وسقطت في بركة من الماء المثلج.
قالت: «اللعنة.» وقد صارت مبتلة تماما الآن، وزحفت خارجة من البركة الضحلة إلى الصخور الجافة المحيطة بها. وفي ضوء شديد الخفوت شاهدت قاعدتين يعلو كلا منهما تمثال لثور، والتمثالان منحوتان نحتا قليل البروز في الطمي الطري.
رفعت بصرها ورأت شخصا يخرج من ظلام الكهف، من الطرف الآخر له. كان طوله يبلغ ثماني أقدام على الأقل، وله رأس ذو قرون ووجه من الضوء، وبدت المياه وكأنها تتراقص حوله. وقفوا متواجهين، وشعرت بنفسها تضعف أمام ذلك الحضور السحري العملاق.
قال: «أنا أنتظر.» «ماذا؟» «أن تختاري.» «أختار ماذا؟ أي اختبار هذا؟» «ليس اختبارا، فقط شعبة من الواقع، تجتازين فيها طريقا أو آخر.» «إلى أين تفضي الطرق؟» «لا أحد يعلم. كل طريق هو نفسه محصلة اختيارات تتخذينها وأنت عليه. ويؤدي كل اختيار إلى آخر، ويؤدي كل اختيار إلى استبعاد آخر، ونمط واحد من الاختيارات يستبعد عددا لا نهائيا من الأنماط.» «لا تروق لي مثل هذه الاختيارات. لا أريد أن أستبعد اللانهائية.» «أمر مؤسف.» ثم رفع الشخص سكينا حجريا، وأخذ الضوء الخافت ينعكس على أوجه السكين المتكسرة العديدة. «أنت تختارين، وأنا أقطع. تختارين اليد اليمنى، فأقطع اليسرى، تختارين اليد اليسرى، فأقطع اليمنى.» «كلا!» «آه نعم، ثم تنمو يدك مجددا؛ فتصير كلتاهما يمينا أو كلتاهما يسارا، هذا نتاج اختيارك. وكل اختيار يؤدي إلى الآخر، وهكذا تختارين مجددا.»
وجدت ليزي نفسها تبكي.
نامعلوم صفحہ