غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
ناشر
مؤسسة قرطبة
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
1414 ہجری
پبلشر کا مقام
مصر
فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَوْمًا عَطَسَ فَطَارَ ضِرْسٌ مِنْ أَضْرَاسِهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ عُدْ إلَى حَدِيثِك وَمَجْلِسِك. فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَأَبْطَلَ بِرَسُولِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ الطَّغَامُ، مِنْ الضَّلَالِ وَالْآثَامِ، نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ، وَشَرَعَ لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَ الدُّعَاءِ عَلَى الْعَاطِسِ بِالْمَكْرُوهِ دُعَاءً لَهُ بِالرَّحْمَةِ.
وَلَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ عَلَى الْعَاطِسِ نَوْعًا مِنْ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ جَعَلَ الدُّعَاءَ لَهُ بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ الْمُنَافِي لِلظُّلْمِ، وَأَمَرَ الْعَاطِسَ أَنْ يَدْعُوَ لِسَامِعِهِ وَمُشَمِّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْهِدَايَةِ وَإِصْلَاحِ الْبَالِ فَيَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَوْ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
فَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْهِدَايَةِ فَلِمَا أَنَّهُ اهْتَدَى إلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَرَغِبَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ، فَدَعَا لَهُ يُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَيَهْدِيهِ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ بِإِصْلَاحِ الْبَالِ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَهُ صَلَاحُ شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ الْخَيْرَاتِ. وَلَمَّا دَعَا لِأَخِيهِ بِالرَّحْمَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُجَازِيَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِإِصْلَاحِ الْبَالِ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ فَجَاءَ بِلَفْظٍ يَشْمَلُ الْعَاطِسَ وَالْمُشَمِّتَ فَيَقُولُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، لِيَتَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ دَعْوَى الْعَاطِسِ وَالْمُشَمِّتِ لَهُمَا الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ مَعًا. فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى الْمَبْعُوثِ بِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ وَلِأَجْلِ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَشْمِيتِ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ. فَالدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ نِعْمَةٌ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا مَنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَيَتَأَسَّى بِأَبِيهِ آدَمَ فَإِنَّهُ لَمَّا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ وَبَلَغَتْ إلَى خَيَاشِيمِهِ عَطَسَ فَأَلْهَمَهُ رَبُّهُ ﵎ أَنْ نَطَقَ بِحَمْدِهِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ يَا آدَم، فَصَارَتْ تِلْكَ سُنَّةَ الْعَاطِسِ. فَمَنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ.
وَلَمَّا سَبَقَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ لِآدَمَ ﵇ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ كَانَ مَآلُهُ إلَى الرَّحْمَةِ، وَكَانَ مَا جَرَى عَارِضًا وَزَالَ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتْ الْعُقُوبَةَ وَغَلَبَتْ الْغَضَبَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَوَّلَ نَفَسٍ خَرَجَ مِنْ أَبِينَا آدَمَ الْعُطَاسُ، وَأَوَّلَ كَلِمَةٍ جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِ الشَّرِيفِ حَمْدُ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
1 / 446