غیث ہامع شرح جمع الجوامع
الغيث الهامع شرح جمع الجوامع
ایڈیٹر
محمد تامر حجازي
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
مُحَالٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وأَنَا علَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ» فأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ رَبِّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ لافْتِقَارِهِ إِلَى استطَاعةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ، وفِي التَّنْزِيلِ ﴿فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ فَدَلَّ علَى أَنَّ استطَاعةَ الهُدَى لاَ تصلحُ لِلضلاَلِ، وأَصلُ الخِلاَفِ فِي هذه المَسْأَلَةِ أَنَّ الاستطَاعةَ مَعَ الفعلِ أَو قبلَهُ؛ فَمَنْ قَالَ: هي مَعَهُ - وهو الصّحيحُ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ - مَنَعَ صلاَحِيَّةَ الْقُدْرَةِ لِلضِّدَّيْنِ، ومَنْ قَالَ قَبْلَهُ، جَوَّزَ ذلكَ.
الثَانِيَةُ: اخْتُلِفَ فِي حقيقةِ العَجْزِ؛ فقَالَ المتكلمون: هو صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائمةٌ بِالعَاجزِ - تُضَادُّ القدرةَ، وَالتقَابُلُ بَيْنَهُمَا تقَابُلُ الضِّدَّيْنِ، وقَالَ الفلاَسفةُ: هو عَدَمُ القدرةِ مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ قَادرًا وَالتقَابُل بَيْنَهُمَا تقَابُلُ العَدَمُ وَالْمَلَكَةُ وتَوَقَّفَ الإِمَامُ فِي (الْمُحَصِّلِ) فِي ذَلِكَ، وَاختَارَ فِي (الْمَعَالِمِ) الثَّانِي؛ لأَنَّا مَتَى تَصَوَّرْنَا هذَا الْعَدَمَ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ عَاجِزًا، وإِنْ لَمْ نَعْقِلْ مِنْهُ أَمرًا آخَرَ؛ فَدَلَّ علَى أَنَّهُ لاَ يُعْقَلُ مِنَ الْعَجْزِ إِلاَّ هذَا الْعَدَمُ.
تَنْبِيهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَجْهُ بِنَاءِ هَاتَيْنِ المسأَلَتَيْنِ علَى مَسأَلةِ خَلْقِ الأَفْعَالِ - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ المُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: ومِنْ ثَمَّةَ - أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ تَأْثِيرٌ بِقُدْرَتِهِ وأَنَّ القدرةَ فِي الحَقِيقَةِ لِلَّه تعَالَى لَزِمَ مِنْهُ امتنَاعُ وُقُوعِ الفِعْلِ مِنْ قَادِرَيْنِ، وأَنَّ الْعَجْزَ ضِدُّ القدرةِ، ولَمَّا انْتَفَى عَنِ العَبْدِ تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ ثَبَتَ لَهُ الْعَجْزُ.
ثَانِيهُمَا: وَجْهُ إِدخَالِ المُصَنِّفِ هذه المَسْأَلَةِ فِي مَسَائِلِ التَّصَوُّفِ - وهي مِنْ مَسَائِلِ الكلاَمِ - شِدَّةُ تَعَلُّقِهَا بِالحَقِيقَةِ البَاعثةِ علَى العملِ؛ فُإِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ وأَفعَالَهَ وأَرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشّرَائعِ، وأَخْفَى عَنِ العبَادِ مَا عَلِمَهُ مِنْ أَحوَالِهم؛ فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِهِ السّعَادةُ يَسَّرَهُ لِلطَّاعَةِ، ومَنَعَ مَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِهِ
1 / 837