غرائب القرآن و رغائب الفرقان
غرائب القرآن و رغائب الفرقان
فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان وفي الأخرى لله تعالى أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئا ، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله ( رب اجعل هذا بلدا آمنا واجعلنا مسلمين لك ) [البقرة : 128] ( وابعث فيهم رسولا ) [البقرة : 129] ( ربنا تقبل منا ) [البقرة : 127] والإمام اسم لمن يؤتم به «فعال» بمعنى «مفعول» كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم. والأكثرون على أن الإمام هاهنا النبي لأنه جعله إماما لكل الناس ، فلو لم يكن مستقلا بشرع كان تابعا لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء ، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبيا ، ولأن الله تعالى سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجل مراتب الإمامة كقوله ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) [السجدة : 24] لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة ، ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها ، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) [النحل : 123] وكفى به فضلا أن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقولون في صلاتهم «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماما إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو ( إني جاعل في الأرض خليفة ) [البقرة : 30] ( يا داود إنا جعلناك خليفة ) [ص : 26] ومنع بأن الإمام يراد به هاهنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه ، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص ، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن جميع الذنوب ، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعا منه مندوبا إليه وذلك محال. والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية ، ويحتمل أن يكون منسوبا إلى الذر صغار النمل ، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر ( ومن ذريتي ) عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي كما يقال «سأكرمك فتقول وزيدا» ولا يخفى أن «من» التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناسا غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالبا ، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق. وقد حقق الله تعالى أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم وأشرفهم ، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في
صفحہ 387