362

النفاسة وليست بحرام لقوله تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [المطففين : 26] ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) [الحديد : 21] وقال صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا وأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلم الناس» (1) وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة ، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم ، وقد تكون مباحة. وللحسد مراتب أربع : الأولى ، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث. الثانية : أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له ، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض. الثالثة : أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه. وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا ، والمندوب إليه إن كان في الدين ، والثالثة منها مذموم وغير مذموم ، والثانية أخف والأولى أخبث قال تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) [النساء : 32] تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم. وأسباب الحسد سبعة : أولها العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام ، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ) [آل عمران : 120]. وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل ، وثانيها التعزز فإن واحدا من أمثاله إذا نال منصبا عاليا فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، أراد زوال ذلك المنصب عنه. وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته. وثالثها : أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ( وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [الزخرف : 31] ( أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) [الأنعام : 53] كالاستحقار لهم والأنفة منهم. ورابعها : التعجب ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ) [الأعراف : 63] وخامسها : الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد ، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية ، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين ، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة. وسادسها : حب الرياسة كمن يريد أن يكون

صفحہ 364